هل يعود الساسة في جنوب اليمن إلى جادة الصواب؟
لا شك لدي في أن القضية الجنوبية في اليمن، تتبدى في عمقها، أكثر من مجرد ملف سياسي قابل للإدراج ضمن أجندات التفاوض أو أوراق التسوية ضمن عملية سياسية شاملة.
إنها بنية خليط مركب من "الذاكرة" و"التجربة" و"الهوية"، تتقاطع فيها لحظات التاريخ مع تحولات الاجتماع، وتتشابك فيها سرديات الانتماء مع رهانات السلطة.
ومن هذا المنظور، فإن أي محاولة لفهمها خارج هذا التعقيد البنيوي إنما تُفضي في اعتقادي إلى اختزال مخل، لا يسيء فقط إلى دقة التحليل، بل يهدد جوهر القضية ذاتها.
فالقضية الجنوبية ليست شعاراً سياسياً عادياً، بل هي تعبير عن تراكم تاريخي معقد من التحولات والاختلالات التي أنتجت وعياً جمعياً لا يمكن القفز عليه أو مصادرته.
وإذا كان هذا التعقيد البنيوي يفرض مقاربة حذرة ومتأنية، فإن الإشكال الأبرز في تقديري يكمن في طبيعة التمثيل، إذ يُختزل هذا التعدد في صوت واحد أو كيان يدّعي احتكار الحديث باسم الجنوب.
تبدأ الأزمة هنا بالتحول من كونها قضية عادلة إلى إشكالية في "إدارة هذه العدالة". فحين يُختزل المتعدد في المفرد، ويُختصر التاريخ في خطاب، فإننا لا نكون أمام تمثيل، بل أمام مصادرة مغلفة بلغة سياسية.
ومن ثم، يصبح السؤال الأهم ليس فقط حول مشروعية القضية، بل حول مشروعية من يتحدث باسمها، وحدود هذا الادعاء في فضاء يفترض أنه قائم على التعدد.
لا يقف هذا الاختزال عند حدود التمثيل، بل يمتد إلى طبيعة القرار السياسي، إذ تُطرح مواقف أحادية تفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق. وعليه تتبدى مفارقة لافتة هنا؛ إذ كيف يمكن لقضية نشأت في سياق رفض الإقصاء أن تُدار بالأدوات ذاتها التي أنتجت الإقصاء؟
لاحظوا معي من فضلكم أن هذا التناقض البنيوي لا يعكس فقط خللاً في الممارسة، بل يكشف في تصوري عن أزمة في الوعي السياسي ذاته، إذ يتم الخلط بين الدفاع عن القضية واحتكارها، وبين تمثيلها وامتلاكها.
ومن هذا المنطلق، فإن صون عدالة القضية الجنوبية لا يمكن أن يتحقق عبر فرض إرادة سياسية أحادية، بل من خلال إعادة الاعتبار لها كقضية شعب متعدد الأصوات والتجارب.
فالقضية، في جوهرها، ليست كياناً سياسياً، بل هي فضاء مفتوح للتعبير عن معاناة مستمرة وتطلعات مختلفة، يجمعها إطار عام من دون أن يلغي خصوصياتها. ولذلك، فإن أي مسار يسعى إلى حمايتها يجب أن ينطلق من هذا التعدد.
ومن هنا تبرز أهمية عقد مؤتمر جنوبي - جنوبي لا يستثني أحداً ويستوعب كل ما جاء بعاليه.
في الواقع أرى أن الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر الجامع في الرياض، مثلما أشرت إلى ذلك في مقالة تحليلية فائتة تكتسب أهمية استثنائية، لا بوصفها إجراء سياسياً فحسب، بل باعتبارها فعلاً تصحيحياً يعيد الاعتبار لمنطق التوافق، ويحمي القضية الجنوبية من الاختطاف، ويكسر منطق الإقصاء.
كذلك فإن الدور السعودي في دعم هذا المسار ورعايته يمنحه ثقلاً سياسياً وضمانات توازن إقليمية، تعكس فهماً عميقاً لتعقيدات المشهد الجنوبي واليمني عموماً.
في الواقع يبرز الدور السعودي بوصفه أحد أهم العوامل التي تمنع تفكك الساحة اليمنية إلى مستويات أدنى من الفوضى. فالسعودية، بما تملكه من ثقل سياسي وتأثير مباشر، تؤكد أن الاستقرار في اليمن ليس هدفاً تكتيكياً، بل خيار استراتيجي ثابت في سياستها الإقليمية.
بيد أن الأحداث التي شهدتها خلال الفترة الماضية حضرموت وعدن ومحافظات أخرى تشير إلى نزوع عدد من الساسة في جنوب اليمن، نحو خطاب متطرف، لا يعترف بهذا التعدد المشار إليه أعلاه، بل يعمل على نفيه.
ومن ثم يبرز سؤال جوهري: هل بات هؤلاء قادرين على مراجعة مواقفهم والعودة إلى جادة الصواب، أم أنهم ماضون في تعميق هذا المسار الإقصائي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال الجوهري لا تتعلق فقط بنوايا الأفراد، بل بطبيعة البنية السياسية التي تسمح بمثل هذا الخطاب وتعيد إنتاجه على نحو عجيب وغريب.
إذا تأملنا في الطروحات التي يقدمها هؤلاء الساسة، نجد أنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق السياسي أو العقلانية التحليلية.
فحين تقوم بعض المكونات السياسية -على سبيل المثال- بتبني أطروحات تقوم على إمكانية إقامة علاقة ندية بينها وبين دول، فإن هذا الخطاب لا يعكس فهماً للعلاقات الدولية بقدر ما يكشف عن مشكلة أعمق، تتعلق بغياب الفهم لطبيعة التحالفات السياسية.
ففي السياسة، لا تقوم التحالفات بين دول ومكونات سياسية، بل بين كيانات سيادية متكافئة في الحد الأدنى من الاعتراف.
فضلاً عن ذلك أرى أن هذا الخلل في الفهم يقود بدوره إلى ممارسات سياسية قائمة على فرض تصورات غير واقعية، وكأن بقية الفاعلين السياسيين مجرد متلقين سلبيين يمكن تمرير هذه الطروحات عليهم.
غير أن هذا الافتراض، في ذاته، ينطوي على قدر من التبسيط المخل، بل وربما الاستهانة بوعي الآخرين.
فالمجال السياسي، بطبيعته، فضاء صراعي، لا يسمح بتمرير خطاب أحادي من دون مقاومة.
وفي هذا السياق، يبرز الإصرار على استعادة نموذج الدولة السابقة في "جنوب اليمن" أو حتى تأسيس ما يسمى بدولة "الجنوب العربي" بمنأى عن الجمهورية اليمنية، بوصفه أحد أبرز مظاهر هذا الخلل.
فالتاريخ، وإن كان يحمل دروساً، لا يقدم وصفات جاهزة قابلة للاستنساخ.
في الواقع إن محاولة إعادة إنتاج تجربة تاريخية خارج سياقها الزمني والاجتماعي، لا تعكس وفاءً للماضي بقدر ما تكشف عن عجز في فهم الحاضر.
فالجنوب اليوم ليس الجنوب الذي كان، لا في تركيبته الاجتماعية، ولا في بيئته الإقليمية، ولا في شروطه السياسية؛
أما القضية الجنوبية، في جوهرها، هي تعبير عن حق جماعي تشكل عبر تراكمات من المظلومية والتجربة، بدءاً من حرب 1994، مروراً بانقلاب 2014، وصولاً إلى حرب 2015.
وهذا الحق لا يمكن اختزاله في خطاب أو احتكاره من قبل جهة بعينها. لاحظوا من فضلكم أن القضية التي تقوم على رفض الإقصاء، تفقد مشروعيتها حين تتحول إلى أداة إقصاء جديدة. وهنا تكمن المفارقة التي تهدد بتقويض الأساس الذي تقوم عليه.
ولذلك، فإن أي مشروع سياسي يدّعي الدفاع عن القضية الجنوبية، يجب أن يُختبر بقدرته على احترام هذا التعدد، وقبل ذلك القدرة على تمثيل هذا التنوع من دون مصادرته.
في نهاية المطاف كمحصلة، فإن أي حل شامل وعادل ومستدام في اليمن، لا يمكن أن يتحقق من دون الاعتراف بهذا التعدد، سواء في الجنوب أو في الشمال.
فالتجربة اليمنية، بكل تعقيداتها وتبايناتها، أثبتت أن منطق الصوت الواحد لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات، حتى وإن تغيرت الشعارات.
ومن ثم، فإن تجاوز هذه الحلقة المغلقة يتطلب انتقالاً حقيقياً نحو منطق المشاركة، باعتباره الإطار الوحيد القادر على استيعاب هذا التنوع، وتحويله من مصدر للصراع إلى أساس للاستقرار.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني