الفرد وكوارث هذا الزمان
شيخي رجلٌ طاعنٌ في السن، لكنه خَبَرَ الناس، وعَلِمَ تقلبات الزمان، وله في الحكمةِ باعٌ طويل، وأنا أزورهُ بين الفينةِ والأخرى لأتزوّدَ من حكمته.
هو اليوم معتكفٌ في خلوته يتعبد بالتفكّر، ويرى أن تلك العبادة أهملها كثيرٌ من الخلق. وهنا أوردُ بعضاً مما دار في مجالسه.
(1)
سألتُ شيخي: ماذا يعمل الفرد منّا حيال كوارث هذا الزمان؟ قال: على المرء منّا أن يعلم طبيعة زماننا المعاصر أولاً... قاطعته سائلاً: طبيعته! وكأنَّك تقول: إنَّ له طبيعة أو خصوصية عن أي زمانٍ مضى؟
قال: هذا ما رمتُ قوله؛ فهذا زمان صبغتُهُ الآلة بضجيجها، والتكنولوجيا الحديثة بعجائبها، والسياسة بمفارقاتها التي تمس كلَّ فرد على وجه البسيطة.
لذا فالمرء يحيا على أرض العجائب في هذا الزمان. قلتُ: أتفق معك شيخي، فهذه طبيعة زماننا، لكنني أجد أنَّ هناك خصائصَ أخرى لهذا الزمان لم تذكرها.
قال: أنا لم أذكر كلّ شيء، لكنني ذكرتُ أبرز تلكم الخصائص، وأظن أنَّ ما فكرتَ فيه من خصائص لن تكون إلّا صدى لمَا قلتُه آنفاً.
ثم أردف قائلاً: فهذا زمان الظلم الصراح والكذب الصفيق، زمانٌ جعل القانون أداة بيد الظلمة المستبدين كي يبطشوا بالمظلومين الضعفاء، سواء على مستوى الأفراد أو الدول.
باختصار إنَّه زمان الظلم والظلمات من كلِّ نوع. قلتُ: وإذا كان الحال كما ذكرتَ شيخي، فماذا يعمل الفرد منّا حيال تقلبات هذا الزمان؟
قال: قد لا يكون عمل الفرد بذاته، بل عمل الدول نفسها. قلتُ: وما الدولة إلّا تكتل الأفراد مجتمعين.
قال: هو ذاك؛ فعلى دولنا أن تجد لها موضعَ قدم على أرض الزلازل التي نعيش عليها؛ حيث لا مكان للدول الضعيفة، الدول التي تعيش على هامش الحياة المعاصرة، حيث اقتصادها هش، وتعليمها لا يواكب العصر، وتسليحها بيد خصومها.
قلتُ ساخراً: هذه مواصفات دولنا العربية الباسلة! قال: صدقتَ.
ثم استطرد قائلًا: إنَّ معركة إيران الأخيرة مع إسرائيل وأميركا هي أكبر دليل على أهمية أن تكون الدولة مستعدة لكل مفاجآت الزمان العجيب الذي نعيش فيه.
هذا زمان لا مكان فيه للضعفاء. قال أحمد شوقي: ومَنْ يَعدَمِ الظُّفْرَ بينَ الذِّئابِ / فإنَّ الذِّئابَ بهِ تَظفرُ
(2)
ممّا أوصاني شيخي: ليست العظمة أن تملك الآخرين وتتحكّم فيهم، لكنِ العظمة أن تملك نفسك وتتحكّم فيها.
(3)
ممّا أدركتُ من أقوال شيخي الحكيم: "ليست الحضارة قوة مادية عظيمة تقهر الإنسان، لكنَّ الحضارة رقيٌّ إنسانيٌّ عظيمٌ يقهر الطغيان".
عبد الحفيظ العمري
كاتب ومهندس يمني