تفاهمات بكين في اختبار واشنطن... ماذا تغيّر بين قمتي ترامب وشي؟
الرأي الثالث - وكالات
بعد أربعة أشهر من قمة بكين، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ إلى طاولة اللقاء في واشنطن.
وكانت القمة الأولى قد أطلقت إطارا سياسيا جديدا وأعلنت تعهدات اقتصادية، أما الثانية فجاءت لمتابعة ما تحقق منها، وسط أسئلة عن تنفيذ تلك التعهدات ومستقبل الهدنة التجارية.
وتكشف المقارنة انتقال المفاوضات من إعلان التفاهمات إلى اختبارها. ففي بكين، اتفق الزعيمان على صيغة عامة للعلاقة وأعلنا ترتيبات تجارية، وفي واشنطن مُدّدت الهدنة شهرين وبقيت ملفات عدة معلقة.
كما تحدثت بكين عن ترتيب تجاري جديد، من دون أن تكشف تفاصيله.
من تثبيت الإطار إلى متابعة التعهدات
في ختام قمة بكين يومي 14 و15 مايو/أيار الماضي، تحدث شي عن بناء علاقة تقوم على "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء".
وقدمت بكين العبارة بوصفها إطارا لإدارة العلاقة بين البلدين. ورأت "واشنطن بوست" في 17 مايو/أيار أن شي عزز بهذه الصيغة صورة الاستقرار، من دون تقديم تنازلات جوهرية لواشنطن، مشيرة إلى أن القمة انتهت من دون اختراقات كبيرة.
وأعلن البيت الأبيض في اليوم ذاته عن تفاهمات شملت تأسيس مجلس للتجارة ومجلس للاستثمار، وتعهدات صينية بشراء منتجات زراعية أميركية و200 طائرة من "بوينغ"، إلى جانب معالجة النقص في إمدادات المعادن النادرة.
وقدمت بكين القمة باعتبارها حققت توافقا مهما في ملفات متعددة، فيما وصفت وزارة التجارة الصينية بعض الترتيبات بأنها أولية، بحسب ما نقلته "رويترز".
وفي قمة واشنطن، لم يبدأ الزعيمان من نقطة الصفر، إذ كان عليهما التعامل مع حصيلة الأشهر الأربعة التي فصلت القمتين.
وقبل اللقاء، قالت وكالة أسوشييتد برس، الثلاثاء، إن تنفيذ تعهدات مايو/أيار يسير بوتيرة متفاوتة، وإن مجلس الاستثمار لم يحرز تقدما كبيرا. وبعد القمة، أعلنت الحكومة الصينية أن "الفرق التجارية توصلت إلى ترتيب مشترك جديد"، من دون نشر بنوده.
في 17 مايو/أيار، قالت "واشنطن بوست" أن شي نجح في تثبيت لغة الاستقرار خلال قمة بكين من دون تقديم تنازلات جوهرية لواشنطن.
وقبيل قمة واشنطن، أفادت صحيفة "الشعب"، التابعة للحزب الشيوعي الصيني الحاكم، الثلاثاء، بأن بكين تريد البناء على إطار "الاستقرار الاستراتيجي" الذي أعلنه الزعيمان في مايو.
وبعد اللقاء، دعت وكالة شينخوا، اليوم الجمعة، إلى تحويل هذا الإطار إلى خطوات عملية، فيما وصفت "وول ستريت جورنال" في اليوم نفسه قمة واشنطن بأنها حافلة بالمراسم ومحدودة النتائج المعلنة.
وقبيل قمة واشنطن، كتب ريتشارد فونتين، رئيس مركز الأمن الأميركي الجديد، على حسابه في منصة "إكس"، أن الاهتمام سيتجه إلى المظاهر. وبعد اللقاء، قال الدبلوماسي الأميركي السابق دانيال راسل إن "المراسم لا تعادل تقدما في الملفات العالقة".
الذكاء الاصطناعي والرقائق... نقاش بلا تغيير في القيود
ظل الفارق بين القمتين محدودا في ملف الذكاء الاصطناعي والرقائق. ففي الوقت الذي حضرت فيه التكنولوجيا في الإطار السياسي الذي أُعلن في بكين، ثم حضرت في واشنطن عبر دعوات التعاون، لكن دون تفاهم يغيّر ضوابط الرقائق أو ينشئ قواعد مشتركة ملزمة للذكاء الاصطناعي.
ففي مايو/أيار، لم تعلن قمة بكين اتفاقا يرفع القيود الأميركية على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين. وفي سبتمبر/أيلول، عاد الذكاء الاصطناعي إلى النقاش، من دون تغيير تلك القيود.
وقبيل لقاء واشنطن، طرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت آلية للإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي التي قد تمس الأمن القومي، لكن الطرفين لم يعلنا الاتفاق عليها خلال القمة.
ودعا شي إلى التعاون في هذا المجال وإبقائه تحت السيطرة البشرية. أما ترامب، فكتب صباح الخميس على منصته "تروث سوشال" أنه "يريد ترك الذكاء الفائق كما هو"، في إشارة إلى رفضه فرض ضوابط جديدة عليه.
الرسوم والهدنة... من خفض سابق إلى تمديد جديد
بلغت الرسوم الأميركية الإضافية على الواردات الصينية 145% خلال تصعيد تجاري في 2025. وخُفضت إلى 30% في هدنة جنيف في مايو/أيار من ذلك العام، قبل قمة بكين بأيام ضمن جزء من مسار التهدئة الذي سبقت القمة.
ثم أُعلن تأسيس مجلس للتجارة لبحث إدارة العلاقة التجارية، وناقش الطرفان خفض الرسوم على سلع غير حساسة بقيمة تصل إلى 30 مليار دولار لكل جانب، بحسب "رويترز". دون أن يتحول آنذاك هذا الهدف إلى اتفاق شامل معلن.
وقبل قمة واشنطن، قالت الصين إنها تأمل بالتوصل إلى اتفاق مبكر بشأن خفض متبادل للرسوم على سلع بقيمة 30 مليار دولار لكل طرف.
وأفادت "رويترز"، الجمعة الماضي، بأن المفاوضين بحثوا هذا الإطار إلى جانب خفض الرسوم الصينية على الغاز الطبيعي المسال الأميركي. وبقيت هذه المقترحات في نطاق التفاوض، ولم تعلن القمة إقرارها.
وقالت "نيويورك تايمز" إن تمديد الهدنة سبق القمة، فيما قالت "رويترز" إن الرسوم والمشتريات وإمدادات المعادن والقيود التكنولوجية بقيت ضمن الملفات التي ستُبحث في جولة تفاوض لاحقة.
الأعمال والصفقات... تعهدات مايو تنتظر التنفيذ
رافق ترامب إلى بكين عدد من كبار رجال الأعمال الأميركيين، وأعلن البيت الأبيض عن تعهدات شملت شراء الصين منتجات زراعية أميركية بقيمة 17 مليار دولار سنويا، إلى جانب التزامات فول الصويا وشراء 200 طائرة من "بوينغ".
كما تضمنت تفاهمات مايو إنشاء مجلس للاستثمار بهدف توسيع التعاون الاقتصادي.
وقبيل قمة واشنطن، قالت "أسوشييتد برس" إن طلبية الطائرات لم تكن قد أُنجزت، وإن التقدم في مجلس الاستثمار بطيء.
وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، الاثنين، إن الصين تحرز تقدما في استكمال التزامها بشراء طائرات "بوينغ"، من دون أن يشير إلى طلبية إضافية وشيكة. كما أن قمة واشنطن لم تعلن عن أي صفقة طائرات جديدة.
وفي المشتريات الزراعية، قال بيسنت إن الصين تفي بالتزامها شراء 25 مليون طن من فول الصويا، لكنها متأخرة في مشترياتها من المنتجات الزراعية الأخرى.
وبقي ملف المعادن النادرة موضع خلاف، إذ قالت واشنطن إن الإمدادات الصينية لم تبلغ المستوى المتفق عليه. لتنتقل تعهدات مايو/أيار إلى اختبار التنفيذ في سبتمبر/أيلول، من دون أن تُعلن القمة الثانية تسوية هذه الملفات.