سيبقى علي سالم البيض شاهدًا في محكمة الذاكرة الوطنية
رحيل القامة الوطنية الكبيرة علي سالم البيض لا يُقرأ بوصفه خبرًا عابرًا في سجل الوفيات، بل كحدثٍ ثقيل الدلالة في محكمة الذاكرة الوطنية، تلك المحكمة التي لا تسقط بالتقادم، ولا تُدار بمنطق الغلبة، بل تحتكم إلى ما قدّمه الرجال للأوطان، وما اقترفته الأيدي في حق المنجزات الكبرى.
لقد غادر البيض الجسد، لكنه بقي حاضرًا في الوجدان الجمعي، لا باعتباره شخصية سياسية فحسب، بل بوصفه أحد صُنّاع اللحظة التاريخية الفارقة التي تجسدت في قيام الوحدة اليمنية، ذلك الحلم الذي راود أجيالًا، وتحقق في لحظة نادرة من نكران الذات وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
ردود فعل الرأي العام على رحيله كشفت، بوضوح لا لبس فيه، أن الرجل ما يزال حيًّا في الذاكرة الوطنية، وأن محاولات التشويه أو الإقصاء لم تنجح في محو رمزيته.
فقد استعاد اليمنيون، على اختلاف مواقفهم، صورة القائد الذي قدّم تنازلات موجعة من أجل إنجاز وطني كبير، وآمن بأن الوحدة ليست غنيمة، بل مسؤولية تاريخية، وليست صفقة سياسية، بل مشروع دولة حديثة تقوم على الشراكة والعدالة وتكافؤ الفرص.
وفي مقابل هذه الصورة، تقف المرآة القاسية التي تعكس المشهد الآخر، مشهد الطرف الذي تعامل مع الوحدة لا بوصفها مكسبًا وطنيًا وفرصة تاريخية لبناء دولة المؤسسات والقانون، بل كمشروع شخصي اختُزل في كونه ملكية عائلية، أُقصي فيها الشريك، وهُمّش فيها كل شرفاء الوطن، وعلى رأسهم فقيد اليمن علي سالم البيض.
لقد جرى تفريغ الوحدة من مضمونها، وتحويلها من عقد وطني جامع إلى أداة للهيمنة والاستحواذ، ثم جرى تدمير أواصرها باسم حمايتها، وتمزيق روحها باسم الدفاع عنها.
إن الذاكرة الوطنية، وهي تستحضر سيرة البيض في لحظة الرحيل، لا تمارس الحنين ولا تجميل الأخطاء، لكنها في الوقت ذاته تُعدّ لائحة اتهام أخلاقية وسياسية بحق كل من تجنّى على الوحدة، وكل من صادرها من مضمونها، وكل من دفع بها إلى مسارات الصراع والانقسام.
فالذاكرة لا تنسى من صانوا اللحظة، ولا تعفو عمّن بدّدوا الفرصة، وهي اليوم تنصب محاكمتها التاريخية، لا للأشخاص بوصفهم أفرادًا، بل للخيارات والسياسات التي أوصلت اليمن إلى ما هو عليه.
ويبقى السؤال المؤلم مطروحًا بإلحاح: هل ما زال في المؤتمر الشعبي العام شرفاء يملكون ذرة ضمير تاريخي، وجرأة أخلاقية، للاعتراف بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبها زعيمهم في حق منجز وطني استُحضر في لحظة تاريخية نادرة لن تتكرر؟
وهل ثمة استعداد لمراجعة صادقة تعيد الاعتبار للوحدة كمشروع وطني جامع، لا كإرث خاص أو غنيمة سلطة؟
برحيل علي سالم البيض، لا تطوى صفحة، بل تُفتح على مصراعيها، صفحة الأسئلة الكبرى حول معنى الوحدة، ومن خانها، ومن دافع عنها، ومن دفع ثمنها.
وسيبقى الرجل، بما له وما عليه، شاهدًا في محكمة الذاكرة الوطنية، ورمزًا لمرحلة آمنت بأن الأوطان تُبنى بالشراكة لا بالإقصاء، وبنكران الذات لا بتأليه السلطة.
د. عمر العودي