هل قضى هروب الزبيدي على المجلس الانتقالي الجنوبي؟
الرأي الثالث
دخل المجلس الانتقالي الجنوبي أخطر مراحله منذ تأسيسه، مع تصاعد غير مسبوق في المواجهة بين قيادته والشرعية اليمنية، وتحول موقف التحالف بقيادة السعودية من الاحتواء السياسي إلى التدخل العسكري المباشر.
وجاءت لحظة رفض رئيس المجلس عيدروس الزبيدي الذهاب إلى الرياض، وهروبه بحسب رواية التحالف، لتضع مستقبل "الانتقالي" نفسه موضع تساؤل، لا باعتباره فصيلاً سياسياً فحسب، بل ككيان كان يتمتع بغطاء إقليمي من قبل التحالف.
هذه التطورات لم تكن معزولة، بل جاءت في سياق تصعيد عسكري سابق نفذته قوات "الانتقالي" في محافظتي حضرموت والمهرة، وما تلاه من تدخل سعودي بقصف أسلحة، وتحرك قوات "درع الوطن" لإعادة السيطرة إلى الدولة،
ثم الانتقال إلى مرحلة الضغط السياسي عبر الدعوة لحوار جنوبي شامل ترعاه الرياض، غير أن رفض الزبيدي الحضور، وما رافقه من تحركات عسكرية داخل عدن والضالع، نقل الأزمة من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى القطيعة الكاملة.
ومع صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بإسقاط عضوية الزبيدي وإحالته للنائب العام بتهم جسيمة، بات السؤال المطروح داخل اليمن وخارجه لا يتعلق بمصير شخص، بل بمصير مشروع سياسي كامل: هل قاد هروب الزبيدي المجلس الانتقالي إلى نهايته السياسية؟
التأسيس والرهان الأول
تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017، بعد إعلان الزبيدي تشكيله في عدن، عقب إقالته من منصب محافظ العاصمة المؤقتة، وجاء التأسيس في ذروة الانقسام داخل معسكر الشرعية، مستنداً إلى خطاب "تمثيل الجنوب" والدعوة إلى استعادة دولة الجنوب السابقة، معتمداً على بنية عسكرية وأمنية نشأت خلال الحرب.
منذ لحظة التأسيس، سعى المجلس إلى فرض نفسه ككيان سياسي وعسكري بديل عن الدولة في المحافظات الجنوبية، معتمداً على السيطرة الميدانية على عدن، ثم التوسع في لحج والضالع وأبين وسقطرى ، وفي أكثر من محطة دخل في مواجهات مباشرة مع القوات الحكومية، أبرزها أحداث أغسطس 2019 في العاصمة المؤقتة، التي انتهت بتوقيع "اتفاق الرياض".
مثّل اتفاق الرياض أول اعتراف سياسي منظم بالمجلس الانتقالي، حيث جرى دمجه في العملية السياسية، ومنح قياداته مناصب رسمية، وصولاً إلى تعيين الزبيدي عضواً بمجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، ما عكس رهاناً إقليمياً على احتوائه لا تفكيكه.
من الشراكة للتصعيد
رغم دخوله مجلس القيادة الرئاسي، لم يتخل "الانتقالي" عن طموحه في فرض السيطرة العسكرية على المحافظات الجنوبية والشرقية، وخلال ديسمبر 2025، نفذت قواته تحركات عسكرية واسعة في حضرموت والمهرة، شملت السيطرة على مواقع عسكرية ومقار سيادية،
في خطوة وُصفت بأنها تمت بشكل أحادي دون تنسيق مع مجلس القيادة أو التحالف.
أثارت هذه التحركات قلقاً واسعاً، ليس فقط لأنها استهدفت محافظتين استراتيجيتين، بل لأنها كسرت التفاهمات غير المعلنة التي قامت عليها شراكة "الانتقالي" مع الشرعية والتحالف.
ومع تصاعد التوتر، تدخلت قوات "درع الوطن" بدعم سعودي لإعادة ترتيب المشهد، وانتهت العملية بخروج قوات الانتقالي من حضرموت والمهرة وتسليم المواقع للسلطات المحلية.
مثلت هذه المرحلة أول ضربة سياسية وعسكرية مباشرة للانتقالي من قبل السعودية، وأظهرت بوضوح أن التحالف لم يعد مستعداً لتغطية خطوات انفصالية تُهدد وحدة المعسكر المناهض للحوثيين، أو تفتح جبهات داخلية جديدة.
دعوة الرياض والحوار الجنوبي
في أعقاب تصعيد حضرموت والمهرة، عملت السعودية على إطلاق مسار سياسي بديل عبر قبول طلب رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي بالدعوة إلى مؤتمر جنوبي شامل، يضم مختلف المكونات الجنوبية والشرقية، لإعادة بحث القضية الجنوبية ضمن إطار توافقي، بعيداً عن فرض الأمر الواقع بالقوة.
بهذا السياق، وُجهت دعوة رسمية إلى الزبيدي لحضور مؤتمر الرياض، والجلوس مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي وقيادة التحالف، للوقوف على أسباب التصعيد، وتهيئة الأجواء للحوار، وأعلن المجلس الانتقالي رسمياً ترحيبه بالمبادرة، مؤكداً الاستعداد للمشاركة.
غير أن ما جرى لاحقاً مثل نقطة الانفجار، فبدلاً من التوجه إلى الرياض، تأخر سفر الوفد، وغادر عدد من قيادات الانتقالي دون رئيسه، بينما نسبت قيادة التحالف للزبيدي تحركات عسكرية موازية داخل عدن والضالع، وتوزيع أسلحة وذخائر بهدف خلق اضطراب أمني.
ضربات والغطاء السياسي
مع توفر معلومات عن تحريك قوات من معسكرات تابعة للانتقالي، نفذت قوات التحالف ضربات استباقية محدودة في محافظة الضالع، استهدفت تجمعات عسكرية مرتبطة بالتصعيد، في رسالة واضحة بأن خيار القوة لن يُسمح به خارج إطار الدولة.
تزامن ذلك مع اجتماع طارئ لمجلس القيادة الرئاسي، انتهى بقرار إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي من المجلس، وإحالته للنائب العام بتهم شملت الخيانة العظمى، والإضرار بمركز الدولة، وقيادة تمرد مسلح،
كما شملت القرارات إعفاء وزراء محسوبين على الانتقالي، وملاحقة المتورطين في توزيع السلاح وتهديد السلم الأهلي.
بهذا القرار، خسر الزبيدي آخر مظلة شرعية كان يتحرك تحتها، وانتقل من شريك في الحكم إلى خصم مباشر للدولة، في تحول غير مسبوق منذ تأسيس المجلس الانتقالي.
ماذا بعد؟
يقول الباحث السياسي نجيب السماوي، إن غياب الزبيدي عن الرياض لم يكن "تفصيلاً بروتوكولياً، بل لحظة فاصلة في مسار المجلس الانتقالي، فالقيادة التي ترفض الجلوس إلى طاولة الحوار برعاية الحليف الإقليمي، وتفضل التحرك العسكري، تضع نفسها عملياً خارج أي تسوية سياسية محتملة".
ويضيف ، أن المشهد "كشف عن أزمة قيادة داخل المجلس نفسه، حيث غادر وفد قيادي دون رئيسه، وبقيت القيادات الميدانية في حالة ارتباك، وسط غياب واضح لمركز القرار،
ومع انتقال المواجهة إلى عدن والضالع، بدا المجلس الانتقالي ككيان يفقد تماسكه السياسي مقابل تشدد أمني متزايد".
ويرى أن هذه التطورات تفتح الباب أمام عدة سيناريوهات لمستقبل المجلس الانتقالي، أولها "تفكك تدريجي للكيان، مع انفضاض الغطاء الإقليمي وتراجع القدرة على فرض السيطرة العسكرية".
أما السيناريو الثاني فهو "محاولة إعادة إنتاج القيادة بوجوه جديدة تقبل بالعمل ضمن المسار السياسي، وهو خيار تصطدم به طبيعة المجلس وبنيته القائمة على الولاء الشخصي".
السيناريو الثالث هو "الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة مع الدولة، وهو مسار عالي الكلفة، داخلياً وإقليمياً، في ظل وضوح موقف السعودية والتحالف الداعم لوحدة القرار العسكري والأمني".
وختم بقوله: "في المحصلة، لم يكن هروب عيدروس الزبيدي مجرد خطوة شخصية، بل محطة كشفت حدود المشروع الذي قاده منذ 2017، ومع فقدانه الشرعية السياسية، وتراجع الغطاء الإقليمي، وتزايد العزلة الداخلية،
يبدو أن المجلس الانتقالي يواجه اليوم أخطر اختبار وجودي في تاريخه، وقد يفضي إلى تشرذمه وربما نهاية له كمشروع كان مدعوم إقليميا من قبل التحالف".