هل تمضي الصين وروسيا على خُطى الولايات المتحدة؟
ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا من انتهاك واضح للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، عبر المساس بسيادة دولة مستقلة وحصاناتها،
لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة أو استثناء سياسي، بل كسابقة خطيرة تهدد الأسس القانونية التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
إن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة من مقر إقامته، برفقة زوجته، يمثل تجاوزًا غير مسبوق للأعراف الدولية، ويسهم في تكريس منطق القوة بوصفه أداةً لإدارة العلاقات الدولية.
تكمن خطورة هذا السلوك في أنه لا يطال دولة بعينها فحسب، بل يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لإعادة تفسير القانون الدولي وفق مصالحها الخاصة، ما يعيد العالم تدريجيًا إلى منطق "البقاء للأقوى"، ويقوض ما تبقى من منظومة الضبط الدولي.
في هذا السياق، تعد الصين من أكثر الأطراف تضررًا مما جرى في فنزويلا، إذ تعتمد على هذا البلد في تلبية نحو 35% من احتياجاتها من الطاقة.
وقد عززت التصريحات العلنية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تحدث فيها عن "استعادة حق الولايات المتحدة من النفط الفنزويلي"، وعن إدارة المرحلة الانتقالية وتسليم النفط للشركات الأمريكية،
القناعة بأن الدافع الحقيقي لهذه العملية يتمحور حول الموارد الطبيعية، لا حول الذرائع المعلنة كمكافحة تهريب المخدرات.
الصين أدانت العملية وطالبت بالإفراج الفوري عن الرئيس الفنزويلي والسيدة الأولى، محملةً واشنطن مسؤولية انتهاك القانون الدولي. غير أن الإدانة وحدها لا تبدو كافية في ظل سابقة بهذا الحجم، ما يفتح الباب أمام تساؤل جوهري:
هل يشكل هذا السلوك الأمريكي مبررًا ضمنيًا لقوى كبرى أخرى لاعتماد النهج ذاته؟
في هذا الإطار، يبرز ملف تايوان بوصفه أحد أخطر بؤر الاختبار. فإذا كانت الولايات المتحدة قد شرعنت، عمليًا، تجاوز السيادة الوطنية بذريعة المصالح القومية
فما الذي يمنع الصين من الاستناد إلى المنطق نفسه، بحجة أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها، وأن قيادتها تمثل حالة تمرد سياسي على السلطة المركزية في بكين؟
إن مثل هذا السيناريو لا يعكس بالضرورة نوايا صينية مباشرة، بقدر ما يكشف هشاشة النظام الدولي أمام ازدواجية المعايير.
ولا يقتصر هذا المنطق على الصين وحدها. فالصراع الروسي–الأوكراني يمثل بدوره نموذجًا حيًا لانهيار الضوابط القانونية الدولية.
فروسيا، التي بررت تحركاتها في أوكرانيا باعتبارات أمنية وتاريخية، قد تجد في السوابق الأمريكية مبررًا إضافيًا لتوسيع تفسيرها لمبدأ "الدفاع عن المصالح الروسية الحيوية"، خاصة في ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض قواعد موحدة أو محاسبة متوازنة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في احتمال لجوء الصين أو روسيا إلى هذا النهج، بل في تحول العلاقات الدولية إلى ساحة مفتوحة لإعادة تعريف الشرعية بالقوة، حيث تصبح القوانين الدولية أدوات انتقائية تستخدم ضد الخصوم وتعلق عند تعارضها مع مصالح القوى الكبرى.
في ظل هذا الواقع، لم يعد النظام الدولي قائمًا على قواعد ثابتة بقدر ما بات محكومًا بتوازنات القوة وردود الفعل، ما يهدد بتحويل الأزمات الإقليمية إلى صراعات مفتوحة، ويقوض مفهوم السيادة بوصفه حجر الأساس في الاستقرار العالمي.
إن استمرار هذا المسار لا ينذر فقط بتفاقم الصراعات القائمة، بل يفتح الباب أمام مرحلة دولية جديدة تدار فيها الأزمات بمنطق القوة والردع، لا بمنطق القانون والشرعية الدولية، وهو ما يضع العالم بأسره أمام اختبار تاريخي لمستقبل النظام الدولي ذاته.
* دبلوماسي وسياسي يمني