جمهورية مثلث الدوم
في المشهد السياسي اليمني المتأزم، تبرز ظاهرة "مثلث الدوم" (الضالع، يافع، ردفان) كحالة فريدة من التناقض الصارخ.
هؤلاء الذين يتصدرون اليوم مشهد العنصرية والمناداة بالانفصال، يتناسون أنهم لم يكونوا يوماً رقماً صعباً في معادلة الحكم، بل كان الأئمة في الشمال يرونهم مجرد أطراف ثانوية لا فائدة تُرجى منهم؛
لدرجة أن الإمام باعهم لبريطانيا في مقايضة رخيصة مقابل استعادة الحديدة وجزيرة كمران،
بينما كانت بريطانيا تزود الإمام يحيى حميد الدين بالخمور ضمن تلك التفاهمات المخزية، ليرسم التاريخ حدودهم بصفقات بيع وشراء بائسة.
لقد كنتُ شخصياً أعيش في عدن، وأرى بعيني ذلك التهميش المرير الذي يعيشه أبناء عدن الأصليون وأبناء أبين ولحج المساكين؛
هؤلاء الذين قضوا حياتهم ما بين عساكر بسطاء أو موظفين كادحين،
بينما كان أصحاب "المثلث" هم الأكثر رفاهية، تملكوا المزارع والأراضي وسيطروا على كل شيء.
ولا ينسى التاريخ أن هؤلاء، حين كان الجنوب يرزح تحت انغلاق النظام الاشتراكي، لم يجدوا مخرجاً للحياة إلا عبر "الجواز الشمالي"؛
فُتحت لهم أبواب صنعاء، وآواهم وأعطاهم جوازات سفر مكّنتهم من الاغتراب في دول الخليج وأمريكا كشماليين، وبناء ثروات طائلة بفضل تلك الهوية.
وعندما قامت الوحدة وانفتحت البلاد، عادوا بأموالهم وسيطروا على عدن، مستغلين نفوذهم وشراكاتهم المشبوهة، خاصة مع الوزير الوالي الذي كان حينها وزيراً للإسكان؛
حيث وزع الأراضي والمساحات الشاسعة على أبناء يافع بالذات، ودخل معهم شريكاً بنسبٍ من وراء الطاولة.
بفضل هذه الصفقات، بنوا المنصورة وكابوتا والشيخ عثمان والسنافر، وصولاً إلى أطراف لحج، بينما يظل ابن عدن الحقيقي غريباً في أرضه، لا يجد سكناً يؤويه.
والمثير للسخرية اليوم هو قفزهم نحو حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى مدعين أنها "أرضهم"، متناسين أنهم كانوا محصورين في جبال يافع بين سلطنتين (يافع العليا والسفلى) وإمارة الضالع،
وكانوا لا يتنقلون فيما بينهم إلا خفية! وحين تقرأ تاريخ تلك السلطنات تضحك كثيراً من خيالهم؛
فقد توهموا أن جبالهم نسخة من "جبال الألب" التي تضم أغنى شعوب الأرض؛ فاعتبروا يافع العليا والسفلى بمثابة "ليختنشتاين وسويسرا"، وإمارة الضالع بمثابة "موناكو"،
بينما كانت في الحقيقة سلطنات فقر وجوع، فروا منها إلى كل مناطق اليمن شمالاً وجنوباً وإلى الهند وأفريقيا وأوروبا وأمريكا، بحثاً عن لقمة العيش.
واليوم، يأتون للتباكي على "ثروات الجنوب" وهم الذين عاثوا في الأرض فساداً حين ركبوا موجة الحراك الجنوبي، وحولوا المطالب الحقوقية إلى عنصرية ومناطقية مقيتة.
لقد رأيتُ بأم عيني كيف أحرقوا محلات أبناء الشمال وقتلوا الأبرياء، في سلوك يفتقر لأدنى قيم الأخلاق، وهي عقلية غوغائية تشبه عقلية "القرود" التي تهدم ولا تبني، وتتنكر للجميل الذي قدمه لهم الشمال حين آواهم وأعطاهم جوازاته.
إن هذه التحركات الصبيانية للسطو على مقدرات حضرموت والمهرة وتقويض الشرعية، ستجعل من "جمهورية مثلث الدوم" مجرد كانتون جبلي معزول، يشبه نموذج "بونتلاند" في الصومال؛
رقعة محاصرة بين فكي الشمال والجنوب، منبوذة من الجميع. لقد قزموا أنفسهم بعقليتهم هذه، وسوف يجدون أنفسهم في النهاية محشورين في مثلثهم الضيق، بعد أن خسروا الإنسان والأرض وأحرقوا كل جسور التعايش.