في اليمن… حين يصطف الضحية مع جلاده
في اليمن، لم تعد المأساة أن هناك من يقتلنا، بل أن بيننا من يبرر القتل، ويدافع عنه، ويصطف طوعا مع من صادر حياته ثم أقنعه أن العدو هو جاره في البؤس، هذه ليست حربا فقط، بل انهيارا كاملا للوعي، جعل الضحية شريكا في استمرار الجريمة..
اليمني اليوم لم يهزم بالقوة العسكرية بقدر ما هزم في عقله، فحين يتخلى الإنسان عن وعيه بذاته، يتحول إلى أداة، لا يسأل: لماذا أقتات وأولادي الجوع؟ ولا: من دمر مدينتي؟ بل يضع سؤالا آخر: من أكره؟ ومن هو الخائن؟ وهكذا، يستبدل التفكير بالغضب، والحق بالشعار، والكرامة بالاصطفاف!.
الأدهى أن اليمنيين، وهم يغرقون في الجوع والخوف، يتصارعون على هويات مصغرة، صنعت بعناية لإبقائهم متفرقين، منطقة ضد منطقة، مذهب ضد مذهب، رأي يعد خيانة، وسؤال يعتبر طعنا، لم يعد الاختلاف حقا، بل جريمة، ولم يعد الوطن مساحة جامعة، بل ساحة تصفية حسابات..
وفي هذا العبث، يعاد تعريف العدو كل يوم، إلا العدو الحقيقي، صناع الحرب، وتجار الدم، ومهندسو الفوضى، جميعهم في مأمن، بينما يتقاتل الضحايا نيابة عنهم، فالمواطن الذي لا يملك قوت يومه، يطلب منه أن يدافع عن مشروع لم يجلب له سوى المقابر والخراب، فيفعل، وكأن الجوع لا يكفي..
غياب الوعي بالصالح العام حول اليمن إلى ملكية خاصة للفصائل، ولم يعد السؤال: كيف ننقذ الناس؟ بل: كيف نسكتهم؟ وكيف نبقيهم خائفين؟ فالشعب الواعي خطر، أما الشعب المنقسم فهو كنز استراتيجي لكل من يريد إطالة الحرب..
والأخطر أن ماكينة التضليل تعمل بلا توقف، تضخ الشائعات، وتغذى خطاب الكراهية، وتعيد تدوير الأكاذيب حتى تبدو حقائق، فالمواطن المنهك لا يملك طاقة للتحقق، فيبتلع الرواية الجاهزة، ويدافع عنها بشراسة، حتى لو كانت تدمر مستقبله..
لقد بلغ العبث ذروته حين صار اليمني يتمسك بالصغائر ويقاتل لأجلها، بينما تسلب منه الكبائر بلا ضجيج: حياته، وكرامته، ومستقبل أطفاله، فهو يدافع عن اسم، أو شعار، أو راية، بينما لا يجد ماء، ولا دواء، ولا وطنا..
لن يتغير شيء ما دام الوعي غائبا، ولن تنتهي الحرب طالما الضحية مستعدة للدفاع عن جلادها، وطالما يُخون النقد، ويكافأ الصمت، ويقدس الاصطفاف الأعمى، فالخلاص يبدأ لحظة يجرؤ اليمني على كسر هذا القيد العقلي، وطرح السؤال الذي يخشاه الجميع: من المستفيد من بقائنا هكذا؟.
حتى ذلك الحين، ستستمر المأساة، لا لأن الأعداء أقوياء، بل لأن الوعي ضعيف..