نخب باعت الكرامة… وشعب أنهكته الحرب
في اليمن، لم تعد المأساة مجرد حرب تشتعل في الجبهات، لقد أصبحت حربا أخلاقية داخل النفوس، وما بين نخب تهافتت على المال حتى نكست رايات الكرامة، ومجتمع استساغ العيش في ظل الدخان أكثر مما استساغ نور المحبة، تمددت الفوضى، وتجذّرت الكراهية، واستمر نزيف البلاد بلا توقف!.
نحن أمام نخب سياسية جعلت المال وطنها الوحيد
لقد أثبتت السنوات الماضية أن كثيرا من النخب السياسية اليمنية لم تكن سوى واجهات متحركة تبحث عن مكاسبها الخاصة، تتكئ على حطام وطن وتتنافس على ما تبقى منه، لم تعد الكرامة السياسية قيمة تحترم، فقد تحولت إلى سلعة رخيصة تستبدل عند أول حقيبة أموال أو أول امتياز خارجي..
هذه النخب، في لحظة سقوط أخلاقي، لم تعد ترى اليمن مشروعا وطنيا، بل مشروعا ربحيا، فمن أجل المال: ساوموا على القضايا الكبرى، وغيروا تحالفاتهم كما يغير التاجر عملته، وتركوا الشعب يتخبط في دوامة الحرب بينما هم يتخبطون في سباق الثراء..
إن المشكلة لم تعد في وجود نخب سيئة، بل في نخب اعتادت أن تكون سيئة، ثم اعتادت أن تبرر السقوط، ثم اعتادت أن تعيد إنتاج الخراب كل مرة تحت مسميات جديدة..
نحن أمام مجتمع استهلكته الحرب حتى صارت الكراهية خيارا مريحا
الحرب لم تمزق الأرض فقط، بل مزقت النفوس، فأصبح المجتمع منقسما إلى كيانات وجماعات وزعامات صغيرة، كل منها يعتاش على تعزيز الانقسام بدلا من رأب الصدع،تغذيه الكراهية كما لو كانت نظاما غذائيا يوميا، حتى فقدنا القدرة على تذوق الحب أو التعايش،
وأصبح البعض يخاف من السلام أكثر مما يخاف من استمرار الحرب، لأن السلام يعني مواجهة الحقيقة، بينما الحرب تسمح للهروب خلف الشعارات ومبررات أننا على حق..
لقد استبدلت لغة المحبة بلغة التخوين، وصار الانتماء الضيق أرقى من الانتماء الوطني، وهكذا تحول اليمنيون من شعب واحد إلى جماعات تتبادل الاتهامات بدلا من تبادل الاحترام!.
النتيجة… حرب بلا نهاية وفوضى بلا حدود
حين تتآمر النخب على الوطن، ويتآمر المجتمع على ذاته، فلا سلام يمكن أن يستقر ولا دولة يمكن أن تنهض، واستمرار الحرب لم يعد سببه القوى الخارجية فقط، بل أيضا شهوة المال لدى البعض، وشهوة الكراهية لدى البعض الآخر..
وما لم يدرك اليمنيون أن الحب ليس ضعفا، والكرامة ليست ترفا، والوطن ليس مزادا، فستظل الحرب تعيد تدوير نفسها، وتظل الفوضى سيدة المشهد..
مازالت هناك فرصة أخيرة قبل السقوط الكامل
اليمن لا يحتاج إلى مفاوضات جديدة بقدر ما يحتاج إلى ضمائر جديدة، يحتاج إلى نخب تفهم أن المال لا يبني وطنا، وإلى مجتمع يفهم أن الحب وليس الحرب هو القوة الحقيقية القادرة على خلق دولة..
إن لم يستفق الجميع اليوم، فقد يأتي الغد وقد سقط كل شيء، وحينها لن يستعيد المال الكرامة ولا الكراهية ستستعيد الدولة وسيظل اليمن هو الخاسر الأكبر..