أفلام عربية في مهرجان برلين السينمائي: هواجس الآني وثقل التاريخ
تشهد دورة مهرجان برلين السينمائي الـ76 (12–22 فبراير/شباط 2026) حضوراً عربياً لافتاً يتوزّع على برامج المسابقة الرسمية والأقسام الموازية، في مشاركة تعكس تنوّع الأساليب السينمائية والموضوعات، من الدراما العائلية والهجرة والصدمة النفسية، إلى شهادات السجون والحصار والذاكرة السياسية.
وتقدّم هذه الأفلام، التي تُعرض للمرة الأولى دولياً، خريطة سردية للمنطقة العربية الراهنة، حيث تتقاطع الحكايات الشخصية مع التحولات الاجتماعية والسياسية العنيفة، وتتحول السينما إلى مساحة للبوح والتوثيق وإعادة تخيّل الواقع.
في المسابقة الرسمية، "بيت الحس" للتونسية ليلى بوزيد: تعود ليليا إلى تونس لحضور جنازة عمّها، وتلتقي عائلتها التي لا تعرف شيئاً عن حياتها في باريس، وبخاصة حياتها العاطفية، عازمةً على مواجهة أسرار العائلة تلك،
فتبدأ بكشف لغز وفاة العمّ، قبل أن تُصدم بأسرار بيت تعيش فيه ثلاثة أجيال من النساء.
في بانوراما، هناك ثلاثة أفلام: الروائيان "لمن يجرؤ" للبنانية الفرنسية دانييل عربيد، و"خروج آمن" للمصري محمد حماد، والوثائقي "الجانب الآخر من الشمس" للسوري توفيق صابوني.
"لمن يجرؤ"، الذي يفتتح البرنامج، يروي حكاية لقاء بين سوزان (هيام عباس) وعثمان (أمين بنرشيد) في بيروت، التي تعاني أزمة اقتصادية حادة.
عثمان شاب سوداني، من دون أوراق ثبوتية، يبحث عن مستقبل أفضل، وسوزان أرملة ذات أصل فلسطيني، تكبره بأكثر من ضعف عمره. رغم كلّ الصعاب، يُغرم أحدهما بالآخر.
"خروج آمن" (تمثيل مروان وليد ونهى فؤاد وحازم عصام): "فيلم إثارة نفسية"، بحسب التقديم الرسمي للبرليناله، يروي قصة سمعان، حارس أمن شاب، يعاني صدمة نفسية، كغيره من أبناء جيله، إذْ يُقتل والداه في أعمال عنف ديني وعرقي تشهدها المنطقة العربية منذ عقود.
"الجانب الآخر من الشمس": بعد سقوط نظام الأسد، يعود خمسة ناجين (توفيق صابوني ومحمود قدح وعبد الكافي الحاج ومحمد حمكي وعبد الحميد جادو) إلى سجن صيدنايا، المعروف بأنه معتقل سابق للتعذيب، لإعادة تمثيل ما عانوه هناك فترة سجنهم.
يستعيدون أصواتهم، ويشهدون نيابة عن أولئك الذين لم يعد بإمكانهم التعبير عن أنفسهم: "إنه سعي إلى استعادة الصوت والذاكرة، وتحويل الشهادة إلى فعل سينمائي، يحمل ما تعذّر قوله، نيابة عن مغيّبين، وعن كل من فُرض عليه السكوت إلى الأبد".
كذلك يُعرض في مهرجان برلين السينمائي "وقائع من الحصار" للفلسطيني عبد الله الخطيب في برنامج "وجهات نظر": عن تحوّل سكان منطقة حرب، في مواجهتهم قسوة البقاء. عبر خمس قصص، يُقدّم الفيلم لحظات إنسانية، وروح دعابة سوداء، وخيارات صعبة.
في رحلة بحثه عن الطعام، يلتقي عرفات رجلاً غريباً يُقدّم له قطعة خبز، ما يدفعه إلى التأمل في الجوع واليأس.
يعثر ناجون شباب على أشرطة فيديو في متجر مهجور، ويجدون أنفسهم ممزّقين بين حرقها للتدفئة، أو الحفاظ على الماضي.
بينما يُجسِّد إدمان وليد التدخين التضخّمَ العبثي للقِيم تحت الحصار، ويُخاطر فارس بحياته لتمضية لحظة حميمة مع حبيبته وسط القصف، ويبحث صالح، تاجر الحرب، بيأسٍ عن دم لإنقاذ زوجته، التي ستُنجب في أي لحظة:
"تستكشف هذه الوقائع القرارات الصعبة، التي يضطر الناس إلى اتّخاذها في ظل ظروف قاسية" (تقديم الفيلم من صنّاعه).
في برنامج الأفلام القصيرة، يُعرض "يوماً ما ولد" للبنانية ماري روز أسطا: طفل ذو قوى استثنائية، يعيش مع خاله في قرية لبنانية، حيث يتحوّل هدير الطائرات الحربية إلى جزء من المشهد اليومي.
بين محاولة الخال تطويعه في قالب "الطبيعي"، وتصاعد قدرات الطفل على نحو يستحيل احتواؤه، يبني الفيلم سردية تمزج الخيال بالواقع السياسي، وتختبر معنى الاختلاف والقدرة في سياق مضطرب.
أخيراً، في فوروم، هناك "يوم الغضب: حكايات من طرابلس" للبنانية رانيا الرافعي: قصة مدينة وانتفاضاتها، من أربعينيات القرن الـ20 إلى اليوم، تتتبع الرافعي مدينتها (ثاني أكبر مدن لبنان) عبر السنين، مروراً بأجيال وفصائل مختلفة: "عملٌ يعكس رقة سياسية".