أنغام في "دي روحي"... الفراق وآثاره تحت المجهر
في أربع أغانٍ، يرسم ميني ألبوم المغنية المصرية أنغام مساراً عاطفياً متدرّجاً، يبدأ من محاولة استعادة الذات بعد علاقة مؤلمة، ويمرّ بألم الفراق والحصار النفسي، وصولاً إلى قرار الرحيل.
ومع اختلاف الحالات الشعورية، تنتقل الأغاني بين معالجات موسيقية متباينة، من الإيقاع السريع والأغنية الدرامية الكلاسيكية، إلى المزاج القاتم والتوزيع الأوركسترالي الهادئ.
هذا التنوع واكبه تفاوت في مستوى الأغاني؛ فإلى جانب لحظات قوية ومقنعة، تظهر نصوص وحلول موسيقية أقل ابتكاراً، ما يجعل الألبوم تجربة فيها ما يستحق الاحتفاء وما يستدعي التحفّظ في آن.
يُلاحظ أن الألبوم استدعى أسماء ارتبطت بكلاسيكيات أنغام، مثل الموزع طارق مدكور، والشاعر أمير طعيمة، لتقدم المغنية المصرية أربع أغان تدور في مساحة واحدة من العتاب والفراق والخذلان، مع معالجة موسيقية تنتمي إلى البوب المصري الكلاسيكي.
يبدأ الألبوم مع "دي روحي"، الأغنية الرئيسية، بكلمات تامر حسين، ولحن عزيز الشافعي، وتوزيع شريف مكاوي، قبل أن ينتقل الميني ألبوم إلى ألم الفراق في "بعدك وجع"، التي كتبها عليم، ولحنها إيهاب عبد الواحد، ووزعها نادر حمدي.
أما "محاصرني" (كلمات عزيز الشافعي وألحانه وتوزيع شريف مكاوي)، فعالجت آثار العلاقة بعد انتهائها، حين يتحول غياب الحبيب إلى حضور دائم في الذاكرة.
وفي "مسافرة بعيد" (كلمات محمود عصام حمزة وألحان عزيز شافعي وتوزيع طارق مدكور)، تصل الحكاية إلى قرار الابتعاد ومحاولة استعادة الذات.
هذا التدرّج منح الميني ألبوم مساره العاطفي الخاص، من التعلق إلى الألم ثم العجز عن النسيان وأخيراً الرحيل. مع ذلك، ليست الأغاني الأربع بالمستوى نفسه،
إذ تبدو بعض التجارب أكثر تماسكاً من غيرها، سواء على مستوى الكتابة، أو اللحن، أو المعالجة الموسيقية.
وبالنسبة إلى الموسيقى، تقع "دي روحي" في منطقة رومانسية واضحة، لكنها تختار التعبير عن الفراق من خلال إيقاع سريع قريب من المقسوم المصري، بدلاً من القالب البطيء المعتاد في الأغاني الدرامية.
ويأتي هذا الإيقاع جزءاً من بناء الأغنية، إذ يمنحها حركة مستمرة تتناسب مع انتقال النص من الألم والتعلّق إلى استعادة الذات، بينما يتدرج اللحن بين المقاطع الأولى واللازمة، ليبلغ مساحة أكثر انطلاقاً عند جملة "وروحي رجعت لي من تاني".
وتستخدم سرعة الإيقاع لتأكيد حالة التحرر التي تصل إليها الشخصية.
في التوزيع، تحضر أنغام في الواجهة، فالإيقاع واضح وحيوي، لكن من دون أن يطغى على صوتها، ومنح التناقض بين الكلمات والموسيقى شيئاً من الخفة، ابتعد بها عن الميلودراما التي ترتبط عادة بأغاني الفراق.
وإن كان بعضهم رأى في إيقاع المقسوم السريع تناقضاً مع كلمات تامر حسين المليئة بالتعبير عن الألم. كذلك، ابتعدت الكلمات عن الشاعرية في بعض مقاطعها، باستعمال كلمات مثل "يفتي" و"يتغابى".
وفي "بعدك وجع"، استعادت أنغام شيئاً من تقاليد الأغنية الدرامية التي ارتبطت بها في مراحل سابقة من مسيرتها، من دون أن تبدو إعادة إنتاج.
فالأغنية قدمت مساحة واسعة للأداء، بينما اختارت أنغام في رؤيتها الموسيقية أن تترك للآلات الحية دوراً أساسياً في تشكيل الحالة.
تظهر الوتريات، بقيادة أحمد حسن فكري، عنصراً رئيسياً في البناء الموسيقي، يأتي بعدها القانون، بعزف إيتاش دوغان، إلى جانب العود، ليضيفا حضوراً شرقياً واضحاً،
ولتراهن الأغنية بذلك على تجاهل العناصر الإلكترونية، وترك المساحة لصوت أنغام والآلات الحية.
في "محاصرني"، انتقلت أنغام إلى مساحة أقتم، فالأغنية تتحدث عن فراق ما زالت الحبيبة تعالج آثاره ليخلفها في حالة من التشتت والحصار النفسي.
أما موسيقياً، فقد ابتعد التوزيع عن القوالب الشرقية الواضحة، بينما تحركت الجمل اللحنية في مساحات محدودة، تكررت بما يمنح الأغنية إحساساً بالدوران داخل الفكرة نفسها؛
كأن الشخصية لا تستطيع الخروج من الذكرى مهما حاولت، في حين عزز الصدى والطبقات الخافتة خلف صوت أنغام هذا الإحساس.
أما أداء أنغام، فلم يعتمد على القوة الصوتية بقدر اعتماده على التحكم في النبرة والوقفات والتنفس، لتبدأ في مساحة أقرب إلى الانكسار، ثم تتّسع نبرتها تدريجياً مع تصاعد التوتر، لتبدو الأغنية كأنها مشهد داخلي أكثر منها مجرد شكوى من الفراق.
وفي "مسافرة بعيد"، تتخذ فكرة الانفصال شكلاً مختلفاً، فتتعامل مع الفراق والرحيل بوصفه محاولة لاستعادة الذات، وليس نهاية مؤلمة لعلاقة.
يمنح التوزيع هذا المعنى مساحة واضحة، خصوصاً مع حضور الآلات الحية، وابتعاد المعالجة عن الزخرفة الإلكترونية الزائدة.
وتظهر بصمة طارق مدكور بوضوح في طريقة بناء المساحة الصوتية حول أنغام، حين يترك لها مركز المشهد،
بينما يضيف الحوار بين الغيتار والبوزوكي، بعزف مصطفى أصلان، ملمحاً يوحي بالحركة يتناسب مع فكرة السفر والابتعاد.
تتسع هذه المساحة مع الوتريات التي كتبها ونفذها هاني فرحات، فتدخل تدريجياً لتمنح الأغنية بعداً أوسع. تجنّب لحن عزيز الشافعي تقديم الانفصال باعتباره حالة بكائية خالصة.
فبدأ بهدوء، ثم تدرج في اتساعه مع تقدم الأغنية، بما ينسجم وتحول الشخصية من التفكير في الرحيل إلى الإقدام عليه.
ورغم انسيابية اللحن وتدرّجه، يمكن تسجيل ملاحظة على محدودية المساحة التي أتاحها الشافعي لصوت أنغام،
فاللحن لا يعتمد على انتقالات مقامية لافتة أو قفلات تستثمر قدراتها، وإنما يتحرك ضمن بناء بوب واضح وسهل التوقع منذ الاستماع الأول، ما جعل الأغنية سلسة ومباشرة، لكنه في الوقت نفسه قلل من عنصر المفاجأة اللحنية.
تتمثّل الفكرة الأساسية في "دي روحي" في إبقاء صوت أنغام في مقدمة البناء الموسيقي، مع اختلاف أساليب التوزيع واللحن بين أغنية وأخرى،
لكن هذا الخيار لم يضمن تقارب مستوى الأغاني؛ فبعضها حقق انسجاماً جيداً بين الكتابة واللحن والتوزيع والأداء، بينما اعتمدت أخرى بدرجة أكبر على خبرة أنغام وحضورها الصوتي لتعويض محدودية بعض الأفكار.
لذلك، يمكن النظر إلى "دي روحي" بوصفها تجربة متفاوتة المستوى، لكنها تكشف بوضوح عن رغبة أنغام في تقديم صوتها داخل أكثر من معالجة موسيقية، من دون التخلي عن المساحة الدرامية التي تميز تجربتها.
محمد السيد الطناوي