• الرئيسية
  • من نحن
  • الإفتتاحية
  • اتصل بنا
  • English
إذهب إلى...
    الرأي الثالث الرأي الثالث
    • أحدث الأخبار
    • أخبار خاصة
    • قضية ساخنة
      • أ.م.د.علي متولى أحمد
    • حوارات
    • كتابات وآراء
      • نهى سعيد
      • عبدالإله المنحمي
      • حسن عبدالوارث
      • محمود ياسين
      • محمد جميح
      • فتحي أبو النصر
      • أمل علي
      • أ.د. أيوب الحمادي
      • ياسر العواضي
      • منى صفوان
      • د. أبوبكر القربي
      • د. أروى أحمد الخطابي
      • نبيل الصوفي
      • ضياء دماج
      • محمد سعيد الشرعبي
      • الشيخ عبدالعزيز العقاب
      • أحمد عبدالرحمن
      • د. منذر محمد  طارش 
      • فكري قاسم
      • د. باسل باوزير
      • Maria Zakharova
      • خليل القاهري
      • عادل الحداد
      • أمين الوائلي
      • د. محمد الظاهري
      • سمير الصلاحي
      • سارة البعداني
      • د محمد جميح
      • محمد النعيمي
      • نائف حسان
      • حسن عبدالله الكامل
      • أمة الله الحجي
      • فؤاد المنتصر
      • محمد عايش
      • حنان حسين
      • صبحي غندور
      • سمر أمين
      • اسكندر شاهر
      • كمال عوض
      • عبدالوهاب طواف
      • سامية الأغبري
      • شيرين مكاوي
      • حسين الوادعي
      • ديمة ناصيف
      • د. مـروان الغفوري
      • خالد الرويشان
      • الدكتور زارا صالح
      • د. عادل الشجاع
      • محمد المسوري
      • فتحي بن لزرق
      • بشير عثمان
      • علي البخيتي
      • الدكتور فيصل الحذيفي
      • سامي كليب
      • محمد عياش
      • هند الإرياني
      • عبدالخالق النقيب
      • معن بشّور
      • جهاد البطاينة
      • د.عامر السبايلة
      • محمد محمد المقالح
      • الدكتور إبراهيم الكبسي
      • أحمد سيف حاشد
      • القاضي عبدالوهاب قطران
      • حسين العجي العواضي
      • نايف القانص
      • همدان العلي
      • مجاهد حيدر
      • حسن الوريث
      • د.علي أحمد الديلمي
      • علي بن مسعود المعشني
      • خميس بن عبيد القطيطي
      • د.سناء أبو شرار
      • بشرى المقطري
      • م.باسل قس نصرالله
      • صالح هبرة
      • عبدالرحمن العابد
      • د. عدنان منصور
      • د. خالد العبود
      • أ.عبدالله الشرعبي
      • أ.م.د.علي متولى أحمد
      • أحمد غراب
      • الدكتور علي الأشبط
      • فهد بن طالب الشرفي
      • السفير فيصل أمين ابو راس
      • صلاح القرشي
    • صحف عربية وعالمية
    • تقارير عربية ودولية
      • تقارير عربية
      • تقارير دولية
      • أ.م.د.علي متولى أحمد
    • أدب وثقافة
    • إقتصاد
    • فن
    • رياضة
    • المزيد
      • وسائل التواصل الإجتماعي
      • إستطلاع الرأي
      • أخبار المجتمع
      • علوم وتكنولوجيا
      • تلفزيون
      • من هنا وهناك
      • فيديو
    إذهب إلى...

      شريط إخباري

      • وزير الخارجية العُماني: منطقتنا شهدت حربا كان يمكن تجنبها
      • 16 قتيلاً بضربات متبادلة بين أوكرانيا وروسيا
      • تصعيد ميداني وتحذيرات من تهديد الطيران المدني
      • الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً لمواجهة الأزمة الإنسانية
      • ترامب يرفض مقترح إيران لهدنة 7 أيام ويرجّح استئناف القصف
      • آلاف اليمنيين يحيون ذكرى ثورة 26 سبتمبر بإيقاد الشعلة في تعز
      • العليمي يدعو إلى التعبئة العامة والالتفاف حول القوات المسلحة
      • بوتين يستبعد الصراع مع أوروبا ويدرس استئناف التفاوض مع أوكرانيا
      • التصعيد الحوثي يتوسّع من جبهات اليمن إلى العمق السعودي
      • 77 دولة تقاطع خطاب نتنياهو بالأمم المتحدة.. صورة العزلة الإسرائيلية

      أدب وثقافة

      موسيقى اليمن السعيد: محمود الهندي وحداثة إحياء التراث

      موسيقى اليمن السعيد: محمود الهندي وحداثة إحياء التراث

      25 اغسطس, 2026

       سعادة كبرى تغمر المرء عندما يتعرف على مشروع ثقافي هائل، يجري تنفيذه بفكر سليم وجهد مخلص وموهبة خلاقة، كمشروع «ألحان الزمن الجميل» الذي يقيمه الفنان اليمني محمود الهندي بالتعاون مع مؤسسة حضرموت للثقافة.
       بدأ محمود الهندي العمل على هذا المشروع منذ بضع سنوات، وحقق حتى الآن نجاحاً كبيراً، وانتشاراً يزداد اتساعاً، خصوصاً بعد تقديم نسختين من مهرجان ألحان الزمن الجميل. 
      يهدف المشروع إلى أرشفة وتوثيق التراث اليمني، والتعليم من خلال تدريب الأجيال الصاعدة، والإبداع من خلال إعداد التراث وتقديمه بلمسات معاصرة، والتواصل سواء بين الجميع داخل اليمن، أو التواصل بين الثقافة اليمنية والعالم بأسره،
       وفي مقدمته الوطن العربي بطبيعة الحال، من خلال إقامة الحفلات الموسيقية، وإتاحة المواد الفنية للمشاهدة والاستماع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
      محمود الهندي مؤلف موسيقي ومنتج وموزع، ومطرب أيضاً صاحب صوت جميل، سجل مجموعة من الأغنيات بصوته في السابق، لكنه يكرس جهوده حالياً للتأليف الموسيقي،
       بالتوازي مع مشروع ألحان الزمن الجميل، حيث ألف العديد من الهويات الصوتية للبرامج والمحطات الإعلامية في اليمن، وبعض المسلسلات والأعمال الفنية اليمنية أيضاً. 
      درس الهندسة الصوتية والتأليف في كل من مصر وقطر، بعد أن درس الإعلام والعلاقات العامة في جامعة صنعاء. هو ابن مدينة تريم التاريخية في حضرموت،
       ولا يخفى الثقل الفني والثقافي والحضاري لحضرموت، فيها ألوان الموسيقى والغناء والإيقاع، ومنها تتصاعد أعذب الأصوات. وتريم حيث نشأ محمود الهندي، هي مدينة المساجد وحلقات العلم وجلسات الشعر، 
      يكاد الإنشاد فيها يتردد على كل لسان، وهناك يربى الطفل منذ المهد على الأهازيج، وتضم وحدها عشرات الإيقاعات والألوان الغنائية.

      برهان الفن والحضارة

      لليمن حضارة تعد من أقدم وأعرق الحضارات الإنسانية الضاربة في أعماق التاريخ، حضارة تنوعت أوجهها وتمددت في مجالات عديدة. 
      واليمن أصل اللسان العربي ومرجع اللغة العربية ومهد الشعر، وبقعة من أهم بقاع الموسيقى في العالم، تحتفظ أرضه بأنغام وأصوات وإيقاعات تكونت وتراكمت منذ آلاف السنين، 
      وقد أفاض ببعضها على جزيرة العرب. من منطقة إلى أخرى ومن بيئة إلى بيئة في اليمن، تتنوع الموسيقى وتتعدد الفنون من غناء ورقص، وكلام يرسل شعراً بلهجة كل منطقة من المناطق. 
      هذا ما نعرفه جميعاً عن اليمن، وعن قدره الحضاري والفني، لكن كم منا اقترب من تلك الحضارة، واكتشف ذلك الفن واستمع إلى هذا التراث الموسيقي؟ 
      ربما استمع بعضنا إلى أغنية أو أغنيتين من مشاهير مطربي اليمن، لكن لا يمكن القول إن هذا كان كافياً.
      يحول محمود الهندي الحقائق التاريخية الثابتة المحفوظة، والقارة في الكتب والمجلدات إلى واقع حي ملموس حديث، فيقدم البراهين والأدلة على عظمة تراث اليمن الموسيقي، ومدى غناه وثرائه، ويخلق لدى المتلقي دهشة ربما لن تزول،
       لأنه سيظل متطلعاً إلى هذا التراث متشوقاً إلى اكتشاف المزيد، منتظراً ما سوف يحمله في المرات المقبلة من جواهر ولآلئ ذلك الكنز الثمين. والحق أنه يقوم بعملية من أكبر عمليات إحياء التراث في زمننا المعاصر وأكثرها حداثة، 
      وليس كل إعادة تقديم للتراث يمكن أن توصف بالإحياء، فقد يكون في إعادة التقديم إماتة ومسخاً لروح هذا التراث.
      لا يقدم محمود الهندي ما هو شائع ومتداول من تراث اليمن الموسيقي، وإنما يمنح الأولوية لما هو غير معروف وربما يكون على وشك الاندثار، وهذا يزيد من صعوبة مهمته الشاقة والممتعة في الوقت نفسه. 
      فهو في حالة بحث دائم يتقصى الجمال ويقتفي أثره، ويحاول الوصول إلى مصادره الحقة، ثم يمسك بالقطعة التراثية ويعيد صياغتها من جديد في هيئة فنية مكتملة العناصر. 
      فأغلب الظن أن تلك المواد التراثية لا تكون مكتملة أو جاهزة للعرض على الجمهور، ناهيك من إعدادها للتقديم بأحدث التقنيات الصوتية، في إطار معاصر يستطيع أن ينافس وأن يفرض حضوره، وأن يجذب الجمهور من مختلف الأذواق والثقافات.
       فهي تؤدى عادة من دون آلات موسيقية كثيرة، وتعتمد على الدف والمزمار وربما بعض الآلات الوترية اليمنية العتيقة، وتعتمد على الإيقاع بشكل كبير،
       لذا يكون على عاتق محمود الهندي تأليف الموسيقى الغنية بالميلودي، وصنع النسيج النغمي المكثف باستخدام العديد من الآلات الموسيقية.
       وفي بعض الأحيان يكون عليه تأليف الموسيقى بأكملها انطلاقاً من النغم الشعري والإيقاع. يمسك محمود الهندي باللحظة البعيدة الفائتة، ويحتفظ بالماضي ليصطحبه في الحاضر، ويعده للانطلاق نحو المستقبل.
      يركز هذا المشروع الطموح في مراحله الأولى على التراث الحضرمي تحديداً، وهو تراث هائل بلا شك يحتاج وحده إلى جهد جبار، وإذا كانت منطقة واحدة مثل حضرموت يتركز فيها كل هذا الفن الموسيقي،
       فما بالك ببقية مناطق اليمن؟ يتطلع المشروع في ما بعد إلى العمل على تراث اليمن بأكمله، وقد تناول محمود الهندي بالفعل قطعة فائقة الجمال من تراث محافظة أبين. 
      حتى الآن هناك من التراث الموسيقي اليمني ما أدرجه اليونسكو في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، كالغناء الصنعاني والدان الحضرمي، ولا شك أنه سيتم في المستقبل إدراج المزيد من الفنون.

      مهرجان ألحان الزمن الجميل

      من أجمل ما نجده عند محمود الهندي اهتمامه البالغ بتفاصيل العمل كافة، من جودة الصوت ودقة التصوير، والشكل العام الذي يخرج به مهرجان ألحان الزمن الجميل، 
      هذا المهرجان يمثل جزءاً من المشروع، وليس المشروع بأكمله، هو الجزء الذي يظهر للجمهور ويقدم له خلاصة عمل دائب لا يتوقف.
       في وقت لا يمر فيه اليمن بأفضل أحواله، ينهض هذا المهرجان ويتم توفير أفضل الإمكانيات الحديثة، وتسخير جميع القدرات لا من أجل الإبهار الكاذب، والضخامة الفارغة التي يبحث المرء فيها عن الفن ولا يجده، 
      وإنما من أجل تقديم الثقافة وإتاحتها للشعب اليمني، وربطه بتاريخه وجذوره، وإحياء روح الفخر بتراثه العريق، وكذلك من أجل تقديم المتعة الحقيقية والإشباع الفني للجمهور العربي، ولمتذوقي الموسيقى في كل مكان من العالم.
      في مهرجان ألحان الزمن الجميل وأمام الآلاف من الجماهير، تُفسح مساحة كبيرة في مقدمة المسرح للراقصين، فالغناء لا ينفصل عن الرقص عادة. 
      وراء تلك المساحة يوجد المكان المخصص للفرقة الموسيقية والعازفين، ومن خلفهم يصطف الكورال، وعلى يسار المسرح يقف محمود الهندي ليعزف على الأورغ، 
      وليقوم بدور المايسترو الذي يقود العازفين والكورال، والأصوات الفردية التي يتطلب الأمر حضورها أحياناً لأداء بعض الأغنيات. يرتدي الجميع الملابس التقليدية اليمنية، التي ربما تكون مرتبطة بالحضارم ومنطقة حضرموت على وجه الخصوص، 
      وربما تختلف ملابس الراقصين عن ملابس العازفين والمايسترو في بعض التفاصيل. 
      من أغنية إلى أخرى تختلف الرقصة، وتتغير بما يلائم موضوع الأغنية ويتناسب معها ويعبر عنها، وسط الإبهار الشديد الذي يطغى به الغناء والموسيقى، لا يفقد الرقص قدرته على إبهارنا أيضاً، 
      فضربات الأرجل قد تكون إيقاعاً في حد ذاتها أحياناً، وحركات الأجساد وتمايلها بدرجات محسوبة، يرسل إلينا إشارات ومعاني تثير التأمل والتفكير، 
      ولا شك في أن هناك الكثير من الأسرار في التكوينات التشكيلية التي تنتظم حيناً، وتتعمد عدم الانتظام في أحيان أخرى كالنجوم المنثورة في السماء، وعدم الانتظام المقصود هذا، ربما يتطلب دقة أكثر من الانتظام نفسه، 
      هذا بالإضافة إلى الدورانات والإسراع والإبطاء، ومحاكاة بعض الحركات التي تعبر عن مهنة ما، أو موقف من المواقف، والحماسة والحيوية الشديدة التي تشعل المسرح ونفوس الجماهير، 
      ولا ننسى التصفيق بالأيدي الذي يعد عنصراً مهماً للغاية يمارسه الراقصون والكورال على حد سواء، ونجد أن الكورال يتحرك أحياناً أثناء الغناء، ويؤدي بعض الخطوات البسيطة، كما في أغنية «بو قاسم عزك الله»، ومقطوعة «زامل النوبة والبحرية».
      يلعب الكورال دوراً أساسياً بطبيعة الحال، ويتم الاعتماد عليه بشكل كبير حتى في قطع الغناء الفردي، وكذلك في القطع التي تطغى فيها الموسيقى على الكلام المغنى، 
      كما في مقطوعة «عطيته الشحر وعطيته المكلا»، وأغنية «ياهور يابا» التي يؤديها وحده من دون أصوات فردية. 
      يؤدي الكورال باحترافية شديدة تنم عن تدريب سليم ودقيق، فنجد التجانس الشديد والضبط المقامي والدقة الإيقاعية،
       بالإضافة إلى وضوح النطق وسلامة اللفظ ومخارج الحروف، والانسجام في حس تعبيري واحد. إلى جانب كورال الكبار، يستعين محمود الهندي أحياناً بكورال الأطفال أو اليافعين، الذي لا يقل مهارة أيضاً ويعد بمستقبل مشرق، كما في أغنية «يا سيدي يا رسول الله».
       وهناك الأصوات الفردية التي يتم اختيارها بعناية شديدة، ويتميز كل مطرب بطبيعة صوته وقدراته ولونه في الأداء، وملاءمته تماماً للقطعة التي يغنيها. 
      أما العازفون فيتنوعون بين من يعزف على الآلات اليمنية التقليدية، كالمزمار الصغير المزدوج الذي يصنع تأثيراً صوتياً مدهشاً، وآلات الإيقاع الكبيرة والصغيرة.
       وبين من يعزف على الآلات الشرقية العربية المعتادة، كالقانون أو العود الذي ينفرد في كثير من الأوقات بسحر خالص، ويوجد الناي ومجموعات الكمان أيضاً. ومن أجمل ما يتم أيضاً في المهرجان هو ذلك التقديم والشرح المختصر الذي يسبق تقديم كل قطعة فنية.
       
      مواجهة الجمال

      يواجهنا محمود الهندي بشحنة جمالية هائلة، ويمنحنا جرعة مكثفة من متعة فنية غير عادية، يستشعرها المتلقي منذ اللحظات الأولى، ثم ينجرف مع موجاتها المتلاحقة التي يسلم لها نفسه ولا يريد أن تتوقف، 
      يتتبع النغم، ويستشعر الإيقاع، ويتلمس جمال الكلام، ويستجيب للرقص، ليدرك في النهاية أن هذا الفنان لا يقدم إليه فناً وحسب، وإنما يقدم إليه تاريخاً عميقاً وحضارة شعب قديم. 
      شعب عاش على تلك الأرض يزرعها ويحولها إلى جنان خضراء، وشعب أبحر وارتحل وتواصل مع بقية الأمم، وشعب بنى وشيد معماره الذي يعلن عن فنه الخاص، وشعب وُهب اللغة فحولها إلى شعر لا ينتهي، وشعب صنع الموسيقى كما لو كانت كل خطوة من خطواته إيقاعاً.
      في ما قدمه محمود الهندي حتى الآن نجد تنوعاً كبيراً، فهناك الأعمال ذات الطابع الديني سواء كانت ذكراً لله أم مديحاً نبوياً، 
      وهناك الأعمال ذات الطابع العاطفي، والأعمال التي ترتبط بأجواء معينة، كأجواء الزراعة مثلاً، أو أجواء البحر والسفر، والأعمال ذات الطابع الاجتماعي والفكاهي إلى حد ما، التي تنتقد عن طريق السخرية، وهناك الأغنيات الخاصة بالأعراس والترحيب بالضيف.
      «عطيته الشحر وعطيته المكلا» من أشهر أعمال الفنان محمود الهندي وأكثرها سماعاً ومشاهدة، ذلك العمل المثير الشيق الذي يجذب السامع ليلتصق به كما لو كان قوة مغناطيسية. 
      هذا العمل أقرب إلى مقطوعة موسيقية بحتة، فهو لا يضم من الغناء سوى مطلع قصير يغنيه الكورال، يقول هذا المطلع: «عطيته الشحر وعطيته المكلا.. ولو عاد وبغا فوّه القديمة.. بغا يومين مبيات ومضلة.. وإذا جا الموت بكتب له الوصية».
       الشحر والمكلا وفوه أسماء لمدن يمنية، وهنا تعبر الكلمات عن الرغبة في إعطاء كل شيء للحبيب حتى المدن بأكملها. لا يتكرر الغناء مرة أخرى، 
      ونكون مع الموسيقى فقط، يصحبنا ذلك اللحن السريع الراقص، حيث يتبادل المزمار والعود العزف بشكل مذهل، وينطلق الإيقاع بحيوية لا تهدأ، ثم يتغير الإيقاع في القسم الأخير من العمل. 
      استمع محمود الهندي إلى هذه الأبيات الشعرية القصيرة بصوت امرأة عجوز، فألهمته ذلك العمل الرائع.
      من الأعمال المدهشة أيضاً، أغنية «يا هج يا بلا إبل» التي يغنيها صوت فردي بمصاحبة الكورال، ترتبط الأغنية بأجواء الزراعة، موضوعاً ولحناً ورقصاً، 
      فالرقص يحاكي حركات حرث وفلاحة الأرض، حيث يدخل الراقصون متشابكي الأيدي بأداء ديناميكي متصل، واللحن من ألحان الشغل الذي يعين على تحمل الشقاء ويشد الهمة،
       أما الموضوع الذي يظهر من خلال العنوان، فيرتبط كما يشرح محمود الهندي في أحد حواراته بقصة قديمة، عندما حاول الفلاحون استبدال الثيران بالإبل من أجل حرث الأرض، ولما لم ينجح الأمر قالوا «يا هج يا بلا إبل»، والهج هي الثيران، 
      فالمعنى لن تُحرث الأرض إلا بالثيران وبلاها الإبل.

      تبدأ الأغنية بدخول موسيقي هادئ يتصاعد تدريجياً بضربات إيقاعية، ويردد الكورال «هور يا هور يا الله»، ثم يردد «يا هج يا بلا إبل يا هج» بالتقاطع مع بدء الغناء الفردي، 
      الذي يقول: «العظيم الأكبر.. ها بديت بالفرد العظيم الأكبر.. واجعل ذنوبي كلها مغفورة.. أسأله يسامحنا نهار المحشر.. يوم الشفاعة والأمم محشورة». 
      يجري الغناء بشكل حماسي واندفاع قوي، تخفف من وطأته بعد ذلك انفرادات العود الشجية والناي أيضاً. بعد البداية الدينية حيث لا ينفصل الإيمان عن الحياة والعمل، 
      ينتقل الغناء إلى مواضيع أخرى حيث يدعو السامع للإنصات والتفكر ويوجه إليه بعضاً من النصح، ويدعوه إلى استقاء العبر. ويلاحظ السامع أن كلمة «الهج» تنطق «إلهي»، فالجيم تنطق ياء وفق لهجة تريم كما يقول محمود الهندي.
      عندما نستمع إلى أغنية «بو قاسم عزك الله»، لا نكون مع عمل مبهر من أعمال المديح النبوي وحسب، بل نكون مع فن تراثي مدهش من فنون اليمن والحضارم وتريم، هو فن الرزيح أو لعبة الرزيح، 
      يؤدي الأغنية المطرب محمد بن عقيل بمصاحبة الكورال الذي يردد «بو قاسم عزك الله يا نجم الصباح»، ويمسك الراقصون بعصي قصيرة هذه المرة هي من شروط فن الرزيح على ما يبدو، 
      الذي يتميز أيضاً وفق الشرح الذي يسبق الأغنية بالهواك الذي يدشن بدء الأداء والانتقال من لحن إلى آخر.
      أول ما نسمعه في هذا العمل بعد لحظات قليلة من نغم هادئ، صيحة عالية يطلقها الهواك وتسمى الهوكة على الأرجح، تنطلق هذه الصيحة التي لم نسمع مثيلها من قبل، فتثير الخيال إلى أقصى درجة وتمضي به في كل اتجاه، هل هي صيحة يطلقها رجل وسط الجبال؟
       أم هي صيحة تنادي بحاراً ذهبت به الأمواج؟ أم هي لغة سرية مشفرة ونداءات لا يدركها سوى من تُوجه إليه؟ 
      وربما هي ليست أي شيء من كل ما سبق. تتردد الصيحة والنداءات في الخلفية من حين إلى آخر أثناء الغناء، ويبرز إيقاع الرزيح الذي هو إيقاع ضربات الأرجل بشكل كبير، حتى الكورال يتحرك ويؤدي بعض الخطوات الإيقاعية الخفيفة.

      لا تتوقف المتعة ولا تنطفئ الدهشة من عمل إلى آخر، وتستطيع أغنية «حني وازجلي وا نوبه» التي يغنيها المطرب حمزة الهيج بمصاحبة الكورال، أن تنقلنا إلى أجواء فنية مغايرة، حيث نكون مع تراث أبين هذه المرة، يختلف الإيقاع واللحن والغناء وكل شيء،
       يقول مطلع الأغنية: «حسك تستمع للحاسد.. أوبه من كلامه أوبه.. حيرني بذا أسلوبه.. حني وازجلي وا نوبه».
       الأغنية ذات موضوع عاطفي تشكو المحبوب وتصف له الألم وطول الصبر، في منتصف الأغنية يتغير الإيقاع ويتسارع بشكل كبير وكذلك الغناء وأنغام المزمار المدهشة.
      ومن أجمل الأغنيات العاطفية وأعذبها أيضاً، أغنية «من أجل خاطر عين»، التي يغنيها المطرب نجم الدين العرابي بمصاحبة الكورال، وهي لحن من ألحان الدان الحضرمي.
       تتفرق المتعة ما بين الغناء الجميل واللحن الرائع والكلمات الغارقة في العشق والغزل، حيث يقول العاشق: «من سألني علامك ليش طالع ونازل.. قلت من أجل خاطر عين تكرم مدينة»، 
      ويقول أيضاً: «يوم شفته دهشني بالعيون الكواحل.. والقمر والثريا شارقة عا جبينه».
       يلعب المزمار دوراً حيوياً في هذا اللحن، ويبرز صوت القانون أيضاً بشكل بديع بالتبادل مع العود.
      تعد مقطوعة «زامل النوبة والبحرية» من أطول المقطوعات التي قدمها محمود الهندي، حيث تمتد إلى ما يقرب من 17 دقيقة، وهذا زمن السماع فقط، لكنها تمتد إلى زمن أبعد وأطول في أعماق الماضي. 
      من يستمع إلى هذا العمل ويشاهد الرقص المصاحب له، يشعر بأنه يشاهد قطعة من التاريخ ويستمع إلى قصة حية لا تزال تتردد فيها أنفاس أبطالها. 
      ربما لن نفهم شيئاً من الكلمات المغناة لكننا نستقبل الكثير من الصور والمعاني بلا شك. هذه المقطوعة تثير الإعجاب بشكل كبير والتقدير أيضاً، فهي خلاصة جهد كبير في البحث والإعداد والتأليف الموسيقي، والحفظ وإجادة الغناء،
       فاللغات التي يغنى بها هذا العمل من لغات السواحل الإفريقية، وهي دليل وأثر من آثار التبادل الثقافي بين اليمن ومحيطها، وانفتاح اليمني منذ القدم على مختلف الثقافات والشعوب. 
      تصور هذه المقطوعة الهجرات الإفريقية إلى حضرموت وهجرات الحضارم إلى إفريقيا، وعلى مدى تلك الدقائق الطويلة نستمتع بالتنوع النغمي والإيقاعي واللغوي، وكذلك الرقص المدهش، وما يؤديه الكورال من حركات أيضاً.
      وأي جمال هذا الذي تواجهنا به أغنية «ياهور يابا» التي يغنيها الكورال فقط، وهي تراث حضرمي من أصوات التجلوب على إيقاع النوّح، ويقول محمود الهندي عن فن التجلوب، إنه فن كان خاصاً بالمرأة، 
      حيث كانت النساء تغني عسى أن يجلب الغناء من غابوا. تأخذنا الأغنية إلى أجواء البحر من خلال الكلمات والرقص، حيث يترك الراقصون أجسادهم للماء والريح، 
      أما الكلمات فتبدأ قائلة: «ياهور يابا.. ياهور يابا.. يا الله مع الصاري.. ياهور يابا.. من بحر لغزاري.. ياهور يابا»، «الله يوديهم ياهور يابا.. الله يحميهم ياهور يابا».
       مع مشهد الوداع هذا ترافقنا أنغام العود والناي بشجن رهيف، ثم يردد الكورال: «اللي يحبوني ساروا وخلوني» ثم «مشتاق حد الشوق» و»دمعي على خدي»، فنكون مع دفقات شعورية متتالية في أغنية لا تتركنا أبداً بعد أن ننتهي من سماعها.
      يمكن للحديث عن مقطوعات ألحان الزمن الجميل أن يطول ويطول، تلك القطع التراثية التي يستخرجها محمود الهندي كالماس يعالجه بعناية فائقة، فيصبح أكثر صفاء وجاذبية ويشع بريقاً لا يضاهى، 
      وهكذا يقدم إلينا التراث اليمني على درجة عالية من الرقي والإتقان والحداثة، ويا له من تراث!

       مروة صلاح متولي
      كاتبة مصرية

        مشاركة :
      • طباعة

      مقالات متنوعة

      • أدب وثقافة 24 سبتمبر, 2026

        سارة إسحاق: "حسّ الفكاهة لا ينفي الخوف والشعور بالرعب"

        سارة إسحاق: "حسّ الفكاهة لا ينفي الخوف والشعور بالرعب"
        أدب وثقافة 24 سبتمبر, 2026

        "الهاربات" تتصدر جوائز مهرجان ظفار الدولي للمسرح

        "الهاربات" تتصدر جوائز مهرجان ظفار الدولي للمسرح
        أدب وثقافة 20 سبتمبر, 2026

        «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

        «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر
      • أدب وثقافة 18 سبتمبر, 2026

        باريس تستعيد إرث محمود درويش في برنامج شعري بمشاركة 15 مدينة

        باريس تستعيد إرث محمود درويش في برنامج شعري بمشاركة 15 مدينة
        أدب وثقافة 16 سبتمبر, 2026

        هواجس الكِتاب اليمني في زمن الحرب

        هواجس الكِتاب اليمني في زمن الحرب
        أدب وثقافة 15 سبتمبر, 2026

        انطلاق معرض أبوظبي الدولي للكتاب بمشاركة 95 دولة

        انطلاق معرض أبوظبي الدولي للكتاب بمشاركة 95 دولة

      أترك تعليق

      تبقى لديك ( ) حرف

      الإفتتاحية

      • ينتصر الحوثي بالأغبياء وأنصاف المعارك
        ينتصر الحوثي بالأغبياء وأنصاف المعارك
        19 سبتمبر, 2026

      الأكثر قراءة

      • الإمارات… ثلاثية القيادة والإدارة والريادة
        الإمارات… ثلاثية القيادة والإدارة والريادة
        12 مارس, 2026
      • دول الخليج العربي… تعظيم سلام
        دول الخليج العربي… تعظيم سلام
        07 مارس, 2026
      • المعارضة السورية تطوّق دمشق وتدخل مدينة حمص
        المعارضة السورية تطوّق دمشق وتدخل مدينة حمص
        07 ديسمبر, 2024
      • المعارضة السورية تسطر الإنتصارات على أبواب حماة
        المعارضة السورية تسطر الإنتصارات على أبواب حماة
        04 ديسمبر, 2024
      • المعارضة السورية تسيطر على رابع مطار عسكري وتتقدم بريف حماة
        المعارضة السورية تسيطر على رابع مطار عسكري وتتقدم بريف حماة
        03 ديسمبر, 2024

      تقارير عربية

      • الصراع اليمني من زوايا غير مرئية
        الصراع اليمني من زوايا غير مرئية
        26 سبتمبر, 2026
      • 26 سبتمبر.. هي أنا
        26 سبتمبر.. هي أنا
        26 سبتمبر, 2026
      • اليمن ومعضلة الحوثيين... خداع الحرب ومخاتلات السياسة
        اليمن ومعضلة الحوثيين... خداع الحرب ومخاتلات السياسة
        25 سبتمبر, 2026
      • التضليل... سلاح حوثي حول خطوط النار
        التضليل... سلاح حوثي حول خطوط النار
        24 سبتمبر, 2026
      • الفصل الأخير الخطر في لعبة الحوثيين
        الفصل الأخير الخطر في لعبة الحوثيين
        22 سبتمبر, 2026

      تقارير دولية

      • مجلس التعاون الخليجي في مفترق طرق
        مجلس التعاون الخليجي في مفترق طرق
        27 سبتمبر, 2026
      • هجمات الحوثيين تهدد أمن الخليج… والسعودية بين الردع العسكري والحل السياسي
        هجمات الحوثيين تهدد أمن الخليج… والسعودية بين الردع العسكري والحل السياسي
        27 سبتمبر, 2026
      • إيران والمراوغة الدبلوماسية... لماذا اليمن الآن؟
        إيران والمراوغة الدبلوماسية... لماذا اليمن الآن؟
        25 سبتمبر, 2026
      • أمريكا وهواية شن الحروب الخاسرة
        أمريكا وهواية شن الحروب الخاسرة
        19 سبتمبر, 2026
      • الحرب الأميركية ـ الإيرانية: اختبار قاسٍ لمنظومة الأمن الخليجي
        الحرب الأميركية ـ الإيرانية: اختبار قاسٍ لمنظومة الأمن الخليجي
        19 سبتمبر, 2026

      Facebook

      فيديو

      حوارات

      • سارة إسحاق: "حسّ الفكاهة لا ينفي الخوف والشعور بالرعب"
        24 سبتمبر, 2026
      • السفير اليمني لدى لبنان: أمن الملاحة يبدأ من داخل اليمن
        18 سبتمبر, 2026
      • الزنداني: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود
        25 اغسطس, 2026
      • نائب وزير الخارجية اليمني: الحكومة اليمنية ستعمل من عدن
        09 فبراير, 2026
      • الشيخ عبدالعزيز العقاب: واقع السلام في المنطقة يحتاج إلى قراءة معمقة للواقع
        06 يناير, 2026
      © 2017 alrai3.com