Logo

لماذا لا تبني الدول على الأشخاص؟

 على امتداد التاريخ ارتبطت فكرة الحكم العادل في أذهان كثير من الناس بوجود الحاكم الصالح؛ ذلك القائد الحكيم الذي يمتلك النزاهة والحزم والقدرة على إدارة شؤون المجتمع.
 لكن التجربة الإنسانية أثبتت أن صلاح الحاكم مهما كان مهمًا لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة.
فالمشكلة ليست في قدرة شخص واحد على اتخاذ القرار
 بل في استحالة أن يدير وحده مجتمعًا تتشابك فيه المصالح
 وتتعدد فيه المؤسسات وتتعقد فيه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
لهذا لم تظهر المؤسسات لأنها تنافس الحاكم على السلطة
 بل لأنها أصبحت ضرورة لإدارة دولة لم يعد بإمكان أي فرد
 مهما بلغت كفاءته أن يديرها بمفرده.
فالمالية العامة تحتاج إلى أجهزة متخصصة
 والقضاء يحتاج إلى استقلال
 والإدارة تحتاج إلى قواعد واضحة
 والرقابة تحتاج إلى صلاحيات حقيقية
 والجيش والأمن يحتاجان إلى تنظيم مؤسسي يحكمه القانون
 لا الولاءات الشخصية.
ومن هنا بدأ التحول الحقيقي في مفهوم الدولة.
لم يعد السؤال الأهم: من يحكم؟
بل أصبح: كيف تُمارس السلطة؟ 
وكيف تُضبط؟ 
ومن يضمن استمرار الدولة إذا تغير الحكام؟
لهذا أصبحت المؤسسات هي العنصر الأكثر أهمية في استقرار الدول.
 فهي التي تحفظ الحقوق وتنظم الصلاحيات
 وتضمن استمرار الخدمات
 وتمنع أن تتحول الدولة إلى مشروع مرتبط بحياة شخص أو نفوذ جماعة.
ولذلك تؤكد تجارب الأمم حقيقة قد تبدو بسيطة
 لكنها عميقة في معناها:
الدول لا تنهار عادة بسبب غياب القادة
 وإنما بسبب ضعف المؤسسات.
قد ينجح قائد استثنائي في تحقيق إنجازات كبيرة
 لكن إذا كانت الدولة تعتمد على شخصه أكثر من اعتمادها على مؤسساتها
 فإن معظم تلك الإنجازات تصبح معرضة للتراجع بمجرد رحيله.
 أما عندما تكون المؤسسات قوية
 فإن الدولة تستمر في أداء وظائفها مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت القيادات.
واليمن... أين تكمن المشكلة؟
تكشف التجربة اليمنية قبل الحرب وأثناءها
 أن الأزمة لم تكن مجرد صراع على السلطة
 بل كانت أيضًا نتيجة ضعف البناء المؤسسي للدولة.
فعندما تصبح كفاءة المؤسسة مرتبطة بالأشخاص
 وتتداخل الصلاحيات وتضعف قواعد المساءلة
 وتتقدم الولاءات على القانون
 تفقد الدولة تدريجيًا قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
 وعند أول أزمة سياسية أو أمنية
 لا تتعثر السلطة وحدها بل تتعطل الخدمات
 ويتضرر الاقتصاد وتتراجع ثقة المواطن بالدولة نفسها.
ولهذا فإن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتحقق بمجرد تغيير القيادات أو إعادة توزيع المناصب لأن المشكلة أعمق من الأشخاص.
إنها تتعلق ببناء مؤسسات تعمل وفق القانون
 وتحدد فيها الصلاحيات بوضوح
 وتخضع فيها جميع السلطات للرقابة والمساءلة
 بحيث تستمر الدولة في أداء واجباتها بغض النظر عمن يتولى السلطة.
فالدولة التي تعتمد على الأشخاص تبقى رهينة لقدراتهم واختلافاتهم
 أما الدولة التي تعتمد على المؤسسات فتكون أكثر قدرة على الاستقرار وأكثر قابلية للإصلاح وأقل عرضة للانهيار.
ولعل أهم ما تعلمه البشرية عبر قرون طويلة من تطور نظم الحكم هو أن الحاكم العادل يحقق إنجازًا
 أما المؤسسة العادلة فتحمي هذا الإنجاز وتضمن استمراره.
وهذا هو الفارق بين دولة تُدار بالإرادة الشخصية
 ودولة تُدار بسيادة القانون.
ويبقى السؤال الذي يستحق التفكير:
إذا كانت قوة الدولة تقاس بقوة مؤسساتها
 فما الشروط التي تجعل المؤسسة تعمل لخدمة المجتمع والدستور
 لا لخدمة السلطة أو مراكز النفوذ؟ 

✍️ أ .  حميد القهالي
          كاتب وباحث يمني