Logo

نازحو اليمن تحت النار... الخيام مسارح للموت وصمت دولي مطبق

الرأي الثالث 

يكابد النازحون في محافظات مأرب وتعز والحديدة اليمنية أزمات متعددة الأوجه طوال العام. لكن التصعيد العسكري الحالي ضاعف الأزمات، وأدخلهم في مأساة إنسانية لا يعرفون كيف تنتهي.

بعد أربع سنوات من الهدنة الهشة المعلنة في إبريل/ نيسان 2022 برعاية الأمم المتحدة، عاد التصعيد العسكري ليخيم على المشهد اليمني، مترافقاً مع مآس جديدة تتوزع خيوطها الدامية بين القصف في مأرب والمعارك الضارية في تعز والحديدة، لتتحول مخيمات النزوح مجدداً إلى مسرح للموت والتهجير القسري.

وتعاظمت معاناة النازحين اليمنيين من جراء سوء الأوضاع المعيشية وضعف التدخلات الإنسانية، إذ تعاني خطط الاستجابة الإنسانية من شحّ غير مسبوق في التمويل، تاركة ملايين اليمنيين يواجهون مصيرهم المجهول بلا أدنى مقومات للبقاء، وبلا سبيل للحماية يرد عنهم شبح الموت.

في محافظة مأرب، انهمرت الصواريخ والقذائف التي أطلقتها جماعة الحوثي ، أخيراً، على مخيمات النازحين مخلفة مأساة دامية،

 إذ تحولت المخيمات في منطقتي جو النسيم والبليل مجدداً إلى مسارح للموت، فقد أودى القصف بحياة مدنيين اثنين، وأسفر عن إصابة 14 آخرين، 

ونزحت عشرات العائلات منهما هرباً من أتون الحرب وحملات القمع والملاحقات والاختطاف، قبل أن تتحول المخيمات إلى هدف عسكري مكشوف تترصده نيران جماعة الحوثيين.

ووثقت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في بيان، خطورة الهجوم وتداعياته الدامية، موضحة أن الصواريخ طاولت تجمعات سكنية يقطنها نازحون، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، 

لتعيش مئات العائلات التي مزقت الحرب شملها لحظات رعب هستيرية داخل خيام لا تقيهم القصف ولا الحر، وسط صمت دولي مطبق.

وتصاعدت المعارك والمواجهات في جبهات غرب تعز، وتحديداً في مديريتي مقبنة وجبل حبشي، واتسع نطاقها ليشمل محافظتي تعز والحديدة، بالتزامن مع موجات نزوح واسعة. 

وأكد رئيس الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، نجيب السعدي، أن "إجمالي الأسر النازحة من تعز والحديدة وصل إلى نحو 1400 أسرة، من بينها 1149 أسرة في تعز وحدها، 

واضطرت الأسر إلى مغادرة مساكنها ومواقع نزوحها بصورة مفاجئة تاركة خلفها كل أغراضها بحثاً عن ملاذ آمن في مديريات منها جبل حبشي، والمعافر، والشمايتين، والمظفر، إضافة إلى مديريات الساحل الغربي كالخوخة وحيس والمخا.

وسقط صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون في منطقة مكتظة بآلاف النازحين، محولاً تلك المساحة المزدحمة بالخيام إلى جحيم. 

وتضاعف هذه الهجمات حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها عشرات آلاف الأسر في مخيمات مأرب، والتي تُعد أكبر تجمع للنازحين في اليمن،

 إذ تحتضن المحافظة أكثر من مليونين و87 ألف نازح يشكلون نحو 63% من إجمالي النازحين في البلاد، وهم يتوزعون على 209 مخيمات، فيما تعيش أكثر من 59 ألف أسرة في مساكن متهالكة.
 
ويؤكد نجيب السعدي أن "محافظة مأرب تُعد منطقة نزوح مكتظة، وتداعيات الهجوم الأخير لجماعة الحوثي على المخيمات تتجاوز حدود الاحتياجات الإنسانية والإغاثية الطارئة، لتضع حياة ملايين النازحين القاطنين في مأرب في دائرة الخطر الدائم، وتجردهم من أي شعور بالأمان.

 تكرار استهداف مأرب ينذر بموجة نزوح واسعة لا تستطيع الحكومة اليمنية ولا المنظمات الدولية توقع حجمها، ما يخلق أزمة إنسانية جديدة تعجز الأطراف كافة عن مواجهتها أو تلبية الاحتياجات المتصاعدة الناتجة عنها".

وعلى الصعيد الميداني، يرفض رئيس الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين أي توجهات أو خطط لنقل النازحين من مناطقهم الحالية،

 لافتاً إلى أنه "في ظل العدد الكبير من النازحين، وضعف الإمكانيات المادية والمساعدات الإنسانية، فإن أي تخطيط للنقل يعد بمثابة خلق أزمة إنسانية أكبر، ومشاركة في إجبار مزيد من الناس على النزوح القسري. 

يكمن الحل في الضغط على جماعة الحوثي لوقف استهداف النازحين ومناطق النزوح في مأرب وغيرها من المناطق".

وأشار إلى أن "النازحين في تعز والحديدة يواجهون صعوبات بالغة تتصدرها حالة الغياب التام لأي تدخلات من قبل المنظمات الدولية، إذ لا تُسجل أي استجابة إغاثية أو إنسانية تذكر، 

كما أن الجهود المحلية تعتمد بالكامل على المبادرات الأهلية، وتتضاعف المأساة في ظل افتقار المخيمات والمناطق المستقبِلة للنازحين لأبسط مقومات الحياة، من مأوى وغذاء ومياه شرب وخدمات إصحاح ورعاية صحية".

ووجه السعدي نداءً عاجلاً للقيادة السياسية والعسكرية للقيام بدورها في حماية النازحين ودفع الضرر عنهم باستخدام كافة الوسائل، 

كما وجه نداءً عاجلاً للمنظمات الدولية والمبعوث الأممي للضغط على جماعة الحوثي من أجل احترام حق الحياة، والكف عن الاعتداء على النازحين، واعتبار مراكز النزوح مناطق محمية بموجب القوانين الدولية والإنسانية.

وتكشف موجة النزوح الأخيرة من تعز، التي بدأت الخميس الماضي، عن حجم الكارثة، إذ باتت مئات العائلات الفارة من جحيم القصف والمواجهات في مناطق الكويحة وشنية وقهبان ومقبانة والشراجة بلا مأوى.
 
تروي النازحة مريم  تفاصيل رحلة الهروب المرعبة، قائلة: "نزحت من مديرية مقبنة بعد أن وصلت الحرب إلى قرب منزلنا، ولم أستطع أخذ شيء معي، لا فراش، ولا بطانيات، ولا طعام، ولا حتى قطرة ماء. 

كل همي كان بكاء أطفالي رعباً الذي كان يشق صدري. كانوا يصرخون خائفين، ويكررون سنموت. أمسكت بأيدي أطفالي، وأسرعت في المشي، وكنت أقول لنفسي إن المهم أن أنقذهم، وما عداهم يعوضه الله. 

كاد قلبي أن يقتلع من صدري بينما أغادر بيتي وأتخلى عن أرضي. مشينا بينما لا نعرف إلى أين نتوجه، حتى وصلنا إلى منطقة البيرين، وفتح أهل المنطقة لنا بيوتهم، والآن لا نعرف مصيرنا".

ولا تقتصر المأساة على رعب اللحظات الأولى للقصف، أو مخاطر المعارك والاشتباكات، بل تمتد لتشكل واقعاً يومياً مليئاً بالمعاناة، 

إذ يعيش النازحون وسط بنى تحتية شبه معدومة، ومساكن لا تكاد تستر ساكنيها، وتقطن آلاف الأسر داخل خيام قماشية مهترئة، أو عشش من القش والصفيح لا توفر أدنى مقومات الحماية من تقلبات الطقس، فكيف بشظايا القذائف والصواريخ؟ 

ومع غياب الملاجئ المحصنة، تصبح هذه التجمعات مكشوفة على الخطر، ما يضطر غالبية العائلات النازحة إلى إعادة حسابات الوجع، والفرار نحو المجهول.

وبالتوازي مع مخاطر القصف المباشر، يواجه النازحون خطراً إضافياً يتمثل في الحرائق التي تلتهم مخيماتهم بشكل متكرر، والتي تعود في الأغلب إلى اعتمادهم على وسائل الطهي والإضاءة التقليدية، واستخدام المواد سريعة الاشتعال، في ظل غياب شبكات توزيع الكهرباء. 

وبحسب تقارير الوحدة التنفيذية لإدارة المخيمات، بلغ الإجمالي التراكمي لهذه الحوادث منذ عام 2020 حتى النصف الأول من عام 2026، أكثر من 1043 حريقاً، وأسفرت عن وفاة 64 شخصاً، وإصابة 146 آخرين، غالبيتهم من النساء والأطفال.

وسُجلت خلال النصف الأول من عام 2026 وحده نحو 101 حريق، أودت بحياة 11 شخصاً وأصابت خمسة آخرين، في امتداد لذروات سابقة شهدت تسجيل 219 حريقاً في عام 2023، و207 حرائق في عام 2024، ما يعكس عجز الخيام القماشية عن حماية قاطنيها.
 
من قلب هذا الوجع، يقول اليمني حسن علي "نزحت مع أسرتي من صنعاء إلى مأرب هرباً من بطش الحوثيين، ولم نجد مأوى سوى مخيمات النزوح على أمل أن تنتهي الحرب، ونعود إلى بيوتنا، 

لكن الحرب ظلت تلاحقنا، حتى إلى داخل المخيم الذي استهدفه الحوثيون بصواريخ باليستية، مع علمهم المسبق أن سكانهم نازحون مدنيون، وغالبيتهم نساء وأطفال. تسبب القصف بسقوط عشرات الضحايا، وقد نجونا منه بأعجوبة.

 نطالب المنظمات الدولية بتوفير الحماية للنازحين، فقد صرنا ضحايا لحرب الخدمات التي نعيشها بشكل يومي داخل مخيمات محرومة من أبسط مقومات الحياة، وضحايا للقصف الحوثي الذي يطاول جميع المدنيين".

وفي السياق ذاته، تعكس كلمات النازحة سلمى حجم اليأس. تقول  "نعيش مأساة حقيقية، إذ نعاني منذ شهور طويلة من الجوع والبرد والحرائق التي تندلع داخل المخيم بين الحين والآخر، والآن يتم استهدافنا بالقصف من الحوثيين. 

لم نعد نعرف إلى أين نذهب كي ننجو بأرواحنا، فلا مكان آمناً".

وأمام هذه الفجيعة المستمرة في مأرب وتعز والحديدة، تصطدم عائلات الضحايا بعجز وصمت المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية والمحلية،

 إذ تراجع الدعم الإنساني لمخيمات مأرب وتعز، وتخلت المنظمات عن توفير أية آليات حماية لمئات آلاف النازحين المتكدسين في المحافظات المستقبِلة لموجات النزوح، خصوصاً المستهدفة منها، رغم أن استهداف المخيمات، والإصرار على استمرار النزوح يعد انتهاكاً صارخاً لكل القوانين الدولية، 

ويطلق المتضررون نداءات استغاثة ملحة تطالب بالحماية، وبممرات آمنة، وإغاثة عاجلة تنقذ المواطن اليمني الذي يطارد حلماً بسيطاً بالأمان، فلا يجد سوى شظايا الحرب التي تلاحقه في كل مكان.

فخر العزب
صحافي يمني