Logo

تصعيد الحوثيين وخيارات الرد السعودي: إيران تناور بالورقة اليمنية؟

الرأي الثالث

 تدخل المواجهة بين جماعة الحوثيين والسعودية مرحلة جديدة من التصعيد، تتجاوز في دلالاتها طبيعة المواجهة بين الطرفين المندلعة منذ 15 مارس/آذار 2015، إلى محاولة فرض معادلات جيوسياسية جديدة في البحر الأحمر وباب المندب.

 فبعد يومين فقط من إعلان جماعة الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية انطلاقاً من مضيق باب المندب وخليج عدن في 20 يوليو/تموز الحالي، استهدفت الجماعة في 23 من الشهر نفسه، ناقلتي النفط السعوديتين "نسيليا" و"ليلى"، 

قبل أن توسع دائرة عملياتها لتشمل خط أنابيب "شرق – غرب" الذي ينقل صادرات النفط إلى ميناء ينبع، والذي تحول خلال مرحلة الحرب الأميركية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز إلى منفذ رئيس لتداول النفط والغاز والسلع الاستراتيجية للمملكة ودول الخليج.

ويعكس هذا النمط من التصعيد توجهاً يتجاوز كونه رداً عسكرياً تقليدياً، إلى محاولة استثمار الموقع الجغرافي الذي تسيطر عليه جماعة الحوثيين في اليمن للتأثير في حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.

 وبدأت تداعيات ذلك بالظهور من خلال ارتفاع رسوم الشحن والتأمين على ناقلات النفط، إلى جانب صعود أسعار النفط الخام مع استمرار استهداف السفن المرتبطة بالسعودية، وكان آخرها الناقلة "NCC GHAZAL" الثلاثاء الماضي. 

لكن إلى أي مدى تبدو حسابات الحوثيين دقيقة في هذه الجولة من التصعيد؟ وما الخيارات التي تمتلكها السعودية للرد على هذه الهجمات؟

حسابات الحوثيين غير دقيقة

يرى الباحث السياسي والاستراتيجي السعودي في مركز كارنيغي، هشام الغنام، أن الحوثيين يسعون للضغط على الرياض عبر تعطيل قدرتها على تصدير النفط من خلال مضيق باب المندب، التي تُقدَّر بنحو 4.5 ملايين برميل يومياً، باعتباره بديلاً لمضيق هرمز في حال تعطُّل الملاحة فيه.
 
ويضيف الغنام أن الجماعة تستند في هذه الحسابات إلى مجموعة من العوامل، أبرزها انشغال الولايات المتحدة بتداعيات الاتفاق الإيراني المتعثر، وتراجع رغبتها في فتح جبهة جديدة في اليمن، 

الأمر الذي يدفع الحوثيين إلى الاعتقاد أن رفع سقف التصعيد في الوقت الراهن سيكون أقل كلفة مما كان عليه في مراحل سابقة، إلا أنه يعتبر أن هذه القراءة "انتهازية وغير دقيقة". 

ويؤكد أن السعودية تتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سفنها وفق القانون الدولي، وتتعامل مع الحصار الذي يعلنه الحوثيون باعتباره عملاً من أعمال القرصنة البحرية، وليس عملاً حربياً مشروعاً، وهو توصيف يمنح الرياض هامشاً سياسياً وقانونياً أوسع في إدارة الرد.

 ويشير إلى أن خيارات المملكة لا تسير في مسار واحد، بل تتحرك على عدة مستويات متوازية.
 
ويضيف الغنام: "على مستوى الصعيد العسكري، تستمر العمليات ضد القدرات العسكرية للحوثيين في الحديدة ومأرب والجوف، بالتوازي مع دعم القوات الحكومية التي عملت الرياض على بنائها خلال السنوات الماضية.

 أما دبلوماسياً، فلا تزال السعودية تحتفظ بقناة تفاوض مباشرة مع قيادة الحوثيين عبر سلطنة عُمان، بما يسمح باحتواء التصعيد من دون منح شرعية لمطالب الجماعة".
 
وفي البعد الاستراتيجي، يرى الغنام أن ممارسة الضغوط على إيران عبر الصين قد يكون الخيار الأكثر تأثيراً،

 إذ إن بكين ستكون من أكثر الأطراف تضرراً إذا تعرضت الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب للشلل في الوقت نفسه، وهو ما يمنحها دافعاً للضغط على طهران لكبح الحوثيين، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة بالرياض.

وعن احتمال ذهاب السعودية إلى مواجهة عسكرية واسعة مع الحوثيين، يرى الغنام أن استهداف منشآت شركة "أرامكو" في ينبع بالصواريخ والطائرات المسيّرة سيمثل تحولاً نوعياً يتجاوز استهداف ناقلات النفط، لأنه يمسّ بصورة مباشرة أمن الطاقة العالمي، وقد يشكل نقطة التحول التي تدفع نحو تصعيد عسكري واسع يحظى بدعم دولي. 

ويضيف أن مثل هذا السيناريو قد يفضي إلى تشكيل تحالف دولي يضم، إلى جانب السعودية، الولايات المتحدة وبريطانيا وعدداً من دول الخليج، فضلاً عن مصر، التي تُعَدّ من أكثر الدول تضرراً من اضطراب الملاحة في البحر الأحمر.

ومع ذلك، يؤكد الغنام أن ما يجري حالياً يعكس نهجاً متدرجاً يقوم على الجمع بين الضربات العسكرية المركزة التي تنفذها القوات السعودية ضد أهداف للحوثيين، والضغط الدبلوماسي المتواصل، مع الإبقاء على خيار التصعيد الشامل قائماً من دون اللجوء إليه في الوقت الراهن.

دوافع تصعيد الحوثيين

من جانبها، ترى المحللة السياسية السعودية وضحى الشهراني، أن التصعيد الحوثي في هذا التوقيت تحكمه مجموعة من الاعتبارات الداخلية والخارجية، في مقدمتها حالة الجمود السياسي والاقتصادي التي تعيشها الجماعة، إلى جانب التوجيهات الإيرانية. 

وبحسب الشهراني، تبدو طهران مقتنعة بأن اللحظة الحالية مناسبة لتفعيل ورقة الحوثيين وباب المندب، في محاولة لتوسيع رقعة الصراع وزيادة كلفته الاقتصادية على المجتمع الدولي، بما يرفع مستوى الضغوط على الولايات المتحدة، ويمنح إيران أوراقاً إضافية لتحسين شروطها التفاوضية.

 وتوضح أن السعودية تمارس حقها المشروع في الرد على هجمات الحوثيين، لكنها لا تبدو حتى الآن في وارد الانزلاق إلى مواجهة شاملة، إذ ما زالت تمتلك القدرة على إدارة الصراع بطريقة تحقق مصالحها الاستراتيجية، وتمنع في الوقت نفسه الجماعة ومن يقف خلفها من تحقيق الأهداف التي تسعى إليها.
 
وحول احتمال توجه الرياض نحو تنسيق رد عربي مشترك، ترى الشهراني أن الظروف الحالية لا تزال غير مؤاتية لمثل هذا الخيار، موضحة أن السعودية ودول المنطقة تتعامل مع التطورات بقدر كبير من الحذر، وتتجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة قد تخدم، في نهاية المطاف، الأجندة الإيرانية والإسرائيلية.

الحرس الثوري وتفعيل جبهة الحوثيين

في المقابل، يرى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، يزيد الجداوي، أن التصعيد الحوثي لا يمكن فهمه بمعزل عن التطورات الإقليمية، إذ باتت الساحة اليمنية جزءاً من شبكة مترابطة من ساحات الصراع التي تديرها إيران. 

وبحسب الباحث اليمني، فإن ما يصفها بـ"استراتيجية الحرس الثوري الإيراني"، تقوم على إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة عبر تفعيل الأذرع الإقليمية بصورة متزامنة، بما يشتت الضغوط العسكرية والسياسية ويزيد كلفة أي مواجهة مباشرة مع طهران.

ومن هذا المنطلق، يعتقد الجداوي أن الوقت قد حان، من وجهة نظر الحرس الثوري، لتفعيل جبهة الحوثيين بالتوازي مع الجبهات الأخرى، ومنها المليشيات العراقية التي استهدفت، أخيراً، منشآت نفطية سعودية، بما يعكس وجود غرفة عمليات واحدة تتولى تنسيق التحركات وتوزيع الأدوار بين هذه الأطراف.

 ويضيف الجداوي أن جماعة الحوثيين، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة نتيجة العقوبات الأميركية وتراجع مستوى الدعم الإيراني، قد ترى في هذا التصعيد فرصة لإجبار السعودية على العودة إلى مسار التسوية الأممية بشروط أكثر ملاءمة لها، خصوصاً في ظل الأهمية المتزايدة التي يكتسبها مضيق باب المندب وميناء ينبع بالنسبة إلى أمن الطاقة السعودي.

وفي ما يتعلق بخيارات الرد السعودي، يرى الجداوي أن الرياض لا تزال تميل إلى سياسة الاحتواء، وهو ما يتجلى في استمرار قنوات التفاوض عبر سلطنة عُمان، وفي طبيعة الردود العسكرية التي ظلت حتى الآن محدودة ومدروسة، وتهدف إلى الردع أكثر من السعي إلى توسيع دائرة الحرب. 

ويعتبر الباحث اليمني أن السعودية، رغم تمسكها بخيار الاحتواء، تواصل في الوقت نفسه الاستعداد لسيناريو المواجهة الأوسع، من خلال تعزيز التنسيق العربي والإقليمي والدولي، إلى جانب رفع جاهزية القوات الحكومية اليمنية، بما يتيح لها الانتقال إلى خيارات أكثر حسماً إذا فُرض عليها ذلك.

ماهر أبو المجد
صحافي وكاتب يمني.