Logo

من أشقاء إلى أشقياء.. كيف صنعت التعبئة الخاطئة شرخًا بين العرب؟

 من المفيد، ونحن نراجع تاريخنا العربي، أن نعود أحيانًا إلى الوثائق لا إلى الروايات التي تشكلت لاحقًا تحت تأثير الصراعات السياسية والأيديولوجية.

في وثيقة بريطانية تعود إلى آذار/مارس 1954، رفعها السفير البريطاني في جدة، يرد ضمن تقريره عن خطاب العرش للملك سعود بن عبدالعزيز تأكيده على العمل من أجل وحدة العرب عبر جامعة الدول العربية 

 كما يتناول موقفه من إسرائيل، ويصفها بأنها «النمو السرطاني الذي زُرع في الشرق الأوسط»، وأن خطرها لا يقتصر على جيرانها، بل يمتد إلى الإسلام نفسه.

هذه الوثيقة تفتح بابًا مهمًا لإعادة قراءة مرحلة تاريخية كثيرًا ما قُدمت لنا من خلال الاصطفافات اللاحقة.

فمع تصاعد التنافس بين التيارات القومية والتيارات الإسلامية السياسية، لم تعد الخلافات مجرد اختلاف في الرؤى والمشاريع، بل تحولت تدريجيًا إلى تعبئة سياسية وفكرية أعادت تقديم مواقف الآخرين بصورة تختزلهم في خصوم وأعداء.

وهنا ربما وقع الخطأ الأكبر:

لم نختلف فقط في الأفكار، بل بدأنا نعبئ الأجيال ضد بعضنا البعض، وكانت النتيجة التي نعيشها اليوم.

أخطأ القوميون في بعض قراءاتهم وممارساتهم، وأخطأ الإسلام السياسي، وأخطأت التيارات الأممية كذلك، ودخلت أطراف أخرى في إنتاج هذا الصراع، حتى اتسع الشرخ بين أبناء الأمة، وأصبح الاختلاف السياسي والفكري سببًا للقطيعة والعداء.

والأكثر مفارقة أن القضايا التي كانت تجمع العرب لم تختفِ؛ وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومواجهة التوسع الإسرائيلي، لكن الخلاف حول من يقود الأمة وكيف تحكم وكيف تُعبأ الجماهير طغى في أحيان كثيرة على القضايا المشتركة.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج صراعات الماضي، ولا تبرئة طرف وإدانة آخر، وإنما قراءة نقدية للتجربة كلها: اين أخطأنا؟ 

وكيف تحولت الاختلافات الطبيعية بين الأشقاء إلى خصومات، وصراعات وحروب؟ ومن المستفيد من استمرار هذه القطيعة، والحروب الدامية؟

ربما حان الوقت أن نعيد النظر في تلك المرحلة بعقل أكثر هدوءًا، وأن نزيل من وعينا كل ما راكمته التعبئة الأيديولوجية من صور نمطية وعداوات، وأن نبحث عمّا يجمعنا داخل أقطارنا ومع أشقاؤنا العرب بدل أن نواصل توريث الأجيال ما فرّق بينهم.

فهل نستطيع أن ننتقل من ثقافة التعبئة بيننا وضد الأشقاء إلى ثقافة الاختلاف بينهم دون أن يتحول الاختلاف إلى عداء؟

 مأساه ان يتحول الأشقاء إلى أشقياء.. ربما آن الأوان أن نعرف كيف حدث ذلك.

* دبلوماسي وسياسي يمني