Logo

بين الدبلوماسية وقسوة الواقع

 مراجعة نقدية لتجربة التمثيل السياسي مع سلطة الأمر الواقع في صنعاء
 
مقدمة

بدأت الأزمة في لحظة كانت فيها عاصفة الحرب تسبق كل المقدمات، وكانت الخيارات السياسية تضيق بصورة متسارعة. 

في تلك المرحلة لم يكن المشروع الحوثي قد كشف عن وجهه الكامل، بينما كانت التجاذبات السياسية والصراع على السلطة قد بلغا ذروتهما، وانعكسا بوضوح داخل «اللقاء المشترك»، الذي جمعت أحزابه في مرحلة سابقة رغبة مشتركة في التخلص من النظام القائم.

ورغم أن أحزاب اللقاء المشترك توصلت إلى مشروع عُرف بـ«مشروع الإنقاذ الوطني»، فإن ما حدث لاحقًا كشف أن الاتفاق على إسقاط النظام كان أسهل بكثير من الاتفاق على شكل الدولة ومشروع الحكم. 

وما إن اقتربت لحظة الوصول إلى السلطة حتى بدأت الأحزاب الكبيرة تتراجع عن كثير مما اتفقت عليه، وغلب على المشهد صراع النفوذ والمصالح، وتراجع مشروع الشراكة الوطنية أمام إغراءات السلطة.

ومع صعود «الإصلاح» ومحاولاته توسيع نفوذه داخل مؤسسات الدولة، دخلت بقية القوى السياسية في حسابات جديدة، وأصبح استقطاب الاشتراكي والناصري وغيرهما جزءًا من معركة النفوذ. 

وفي الجهة المقابلة تشكلت اصطفافات أخرى ضمت المؤتمر الشعبي العام والحوثيين وقوى سياسية صاعدة، بعضها بدافع الخصومة مع القوى التي شاركت في إسقاط النظام السابق.

وفي خضم ذلك كله، بدت معظم القوى السياسية اليمنية وكأنها تفتقر إلى مشروع وطني جامع؛ فتحول التنافس تدريجيًا من التنافس على البرامج والأفكار إلى التنافس على السلطة، ومن محاولة بناء الدولة إلى محاولة إقصاء الآخر.

ثم جاءت الحرب لتخلط الأوراق كلها.

انتقل الصراع من ساحته السياسية، وبداياته العسكرية المحدودة، إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، ومن تعدد الخنادق السياسية إلى اصطفافين عسكريين رئيسيين، ومن صراع داخلي على السلطة إلى صراع داخلي تتداخل فيه قوى إقليمية ودولية.

وكان هذا التحول، في تقديري، من أكثر التطورات التي خدمت صعود الحوثيين. فقد تمكنوا، في ظل انهيار التوازنات السياسية والعسكرية، من بناء حاضنة اجتماعية وسياسية أوسع، والاستحواذ تدريجيًا على جزء كبير من مؤسسات الدولة ومقدراتها العسكرية والأمنية.

في المقابل، كانت القوى المناوئة لهم تمتلك دعمًا خارجيًا واسعًا، لكنها عانت من ضعف التنظيم العسكري على الأرض واعتمدت بدرجة كبيرة على تشكيلات ومليشيات ذات ولاءات حزبية ومناطقية، 

بينما تمكن الحوثيون من دمج قواتهم ومليشياتهم مع ما تبقى من وحدات الجيش والأجهزة الأمنية.

وبمرور الوقت، ذاب جزء كبير من مؤسسات الدولة داخل منظومة «اللجان الشعبية»، وليس العكس.

ومع انكشاف طبيعة المشروع الحوثي تدريجيًا، بدأت الشراكات التي قامت عليها المرحلة الأولى بالتفكك، قبل أن يتحول الحوثيون أنفسهم إلى القوة الأكثر هيمنة، ويبدأون في إقصاء شركائهم السابقين وقمع كل من حاول مواجهتهم أو حتى ممارسة النقد تجاه مشروعهم.

في هذه الأجواء بدأت تجربتي التي أحاول اليوم، بعد سنوات، أن أقرأها بعين أكثر هدوءًا ونقدًا.

شكّلت اللجنة الثورية وفدًا للزيارات الخارجية، ضمّني رئيسًا للوفد، وعضوية كل من محمد المقالح، وعليا فيصل الشعبي، وابتسام الحمدي، وعبد الرحمن المختار مقررًا.

شملت الجولة سلطنة عُمان ولبنان وسوريا وإيران والعراق وروسيا وفرنسا وألمانيا، والتقينا خلالها مسؤولين سياسيين ودبلوماسيين من مستويات مختلفة.

في لبنان التقينا العماد ميشال عون، قبل توليه رئاسة الجمهورية بأشهر، والسيد حسن نصرالله. 

وفي سوريا التقينا رئيس مجلس الشعب والأمين العام المساعد لحزب البعث. ثم انتقلنا إلى إيران، ومنها إلى العراق، حيث التقينا وزير الخارجية إبراهيم الجعفري، ووزير النفط عادل عبد المهدي، ونوري المالكي، وعمار الحكيم، وقيس الخزعلي.

وخلال زيارة العراق تم الاتفاق على تقديم مساعدات نفطية لليمن.

ثم كانت زيارة روسيا، حيث التقينا نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، وتم الاتفاق على إرسال مساعدات طبية إلى صنعاء. 

وبعد نحو أسبوع أُرسلت بالفعل طائرة محملة بالأدوية، تمكنت من الوصول إلى صنعاء رغم ظروف الحصار.

ثم انتقلنا إلى فرنسا، حيث التقينا معاون وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط بحضور السفير الفرنسي في اليمن، تلتها زيارة إلى ألمانيا رتّب لها السفير الألماني في اليمن، والتقينا خلالها معاون وزير الخارجية الألماني لشؤون الشرق الأوسط.

كانت تلك الزيارات، من وجهة نظري في ذلك الوقت، ناجحة في تحقيق عدد من أهدافها السياسية والإنسانية، وفتحت قنوات اتصال مهمة مع عدد من الدول والقوى المؤثرة.

لكن نجاح الوفد خارجيًا لم يكن يعني أن الخلافات داخله قد انتهت.بعد عودتنا من روسيا، تم استبعاد عبد الرحمن المختار من الوفد، بعد إصرار غالبية أعضائه على ذلك، وكان يمثل جماعة الحوثي داخل الوفد. 

ومن تلك اللحظة بدأت، كما أقرأها اليوم، مرحلة جديدة من الصراع داخل منظومة التمثيل السياسي نفسها؛ إذ أصبح الخلاف لا يتعلق فقط بطريقة إدارة الوفد أو أدائه، وإنما بمستقبل الأشخاص الذين شاركوا فيه وبمدى استقلاليتهم السياسية.

وبدأ العمل، بحسب ما توصلت إليه من قراءة لتلك المرحلة، على التخلص مني أولًا، ثم إبعاد بقية أعضاء الوفد تدريجيًا.

وكانت حسابات النفوذ داخل اللجنة الثورية، وكذلك التباينات في الرؤية السياسية، حاضرة بقوة في ذلك الصراع.

كنت، بحكم موقعي نائبًا لرئيس اللجنة الثورية، أحد الأطراف التي أصبحت موضع منافسة داخلية، كما أن بعض أعضاء الوفد، ومنهم عليا فيصل الشعبي وابتسام الحمدي، لم يكونوا ينظرون إلى مستقبل الدولة بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها قيادة جماعة الحوثي.

وكانت ابتسام الحمدي تطرح في عدد من اجتماعات اللجنة الثورية، وكذلك في بعض اللقاءات الخارجية، مسألة إلغاء شعار «الحوثي»، انطلاقًا من أن حركة تحمل شعارًا يقوم على الموت لا يمكن أن تقود دولة تبحث عن الحياة والبناء.

كان ذلك جزءًا من نقاش أوسع حول سؤال لم يكن قد حُسم بعد:

هل كانت جماعة الحوثي تتجه فعلًا نحو بناء دولة، أم نحو ترسيخ سلطة حركة سياسية وعسكرية داخل مؤسسات الدولة؟

لاحقًا، وجدت الجماعة مخرجًا بتعييني سفيرًا لدى سوريا.

ظاهريًا كان القرار تكليفًا دبلوماسيًا، لكنني أراه اليوم في سياق تلك المرحلة بصورة أكثر تعقيدًا؛ فقد كان يمكن أن يحقق هدفين في الوقت نفسه: إبعادي عن مركز القرار في صنعاء، وفتح نافذة دبلوماسية للسلطة الجديدة في دمشق.

كان أمامي في ذلك الوقت خياران: رفض المهمة، وما يمكن أن يترتب على ذلك من عواقب في ظل المخاطر التي كانت تحيط بي داخل صنعاء، أو قبولها والمغادرة.

اخترت الخيار الثاني، باعتباره الأقل خطرًا.

أُرسلت مذكرة الترشيح، وجاءت الموافقة من الحكومة السورية، وكان الاتفاق أن يتم الإعلان عن القرار بعد وصولي إلى سوريا، نظرًا للمخاطر التي يمكن أن أتعرض لها.

لكنني فوجئت بإعلان التعيين وأنا في طريقي إلى سلطنة عُمان على متن طائرة تابعة للقوات الجوية العُمانية.

وفي تلك الرحلة التقيت للمرة الأولى بمدين علي عبدالله صالح، وتعرفت إليه عن قرب. وجدت فيه شخصًا يتمتع بثقافة واسعة وأخلاق فاضلة، بعيدًا عن الصورة النمطية التي كانت تُرسم أحيانًا عن أبناء الرئيس السابق.

وعند وصولنا إلى مطار مسقط ودخولنا صالة التشريفات، طلب أحد الإخوة أن نلتقط صورة تجمعني بمدين، وفي اليوم التالي انتشرت الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

بقيت يومين في مسقط، ثم توجهت إلى لبنان.

وهناك بدأت مرحلة أخرى من التجربة، أكثر تعقيدًا مما توقعت.

بعد وصولي إلى لبنان، واستقبال الدكتور عبد الكريم داعر، الملحق الثقافي، لي، أُبلغت بوصول مذكرة تطالب باعتقالي بناءً على طلب الحكومة الشرعية وقوات التحالف.

تحركت فورًا بسيارة السفارة برفقة الدكتور عبد الكريم داعر، والأخ باسم الرعدي، والدكتور عبدالله حملة، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، باتجاه سوريا.

وبعد تجاوزنا منفذ المصنع اللبناني بنحو عشر دقائق، وصلت مذكرة الاعتقال إلى المنفذ.

لكنني كنت قد دخلت الأراضي السورية.

وفي أثناء وجودي على الحدود، اتصل بي الدكتور يوسف الأحمد، رئيس مكتب التنظيم في حزب البعث، وأبلغني بوصول مذكرة من الحكومة الشرعية والجامعة العربية إلى وزارة الخارجية السورية، تطالب بعدم استقبالي وعدم الاعتراف بسلطة الحوثي.

كان الموقف السوري، بحسب ما أُبلغت به، شديد الحرج؛ فهناك ضغوط دولية وعربية حالت دون إتمام المراسم والبروتوكولات الدبلوماسية المرتبطة باستقبالي بصفتي سفيرًا.

قال لي الدكتور يوسف، في ما يشبه التطمين: «أهلًا وسهلًا بك في بلدك، والحمد لله على السلامة، تطمّن».

لكن البروتوكول الدبلوماسي كان له حساب آخر.

واصلت الطريق، ووصلنا مساءً إلى دمشق.

ومن هنا تبدأ المسألة التي أصبحت، بعد سنوات، جوهر هذه المراجعة:

ماذا يعني أن تكون ممثلًا دبلوماسيًا لسلطة أمر واقع، في دولة لا تستطيع الاعتراف بك رسميًا، رغم أن السلطة التي عينتك تسيطر على العاصمة ومؤسسات الدولة؟

1. إشكالية التمثيل تحت مظلة سلطة الأمر الواقع 

يتبع .. الأسبوع القادم
 
* دبلوماسي وسياسي يمني