المخرج الوطني الممكن بعد انتكاسة المجلس الانتقالي!!
تعيش الساحة اليمنية منذ صباح اليوم أحداثاً مؤسفة في المحافظات الشرقية، أعادت إلى الواجهة سؤالاً مؤجلاً حول وهم بناء الأوطان عبر فوهات البنادق. فكل انتصار عسكري يخلّف،
في المقابل، جراحاً جديدة وروح انتقامٍ متجدّدة، لتستمر دوّامة العنف وتتعطّل فرص السلام والاستقرار والتنمية لسنوات طويلة. وتؤكد التجربة اليمنية وفشلها، مرة بعد أخرى،
أن الدولة المدنية الجامعة القائمة على رؤية قيمية وأخلاقية تعيد دمج مكوّنات المجتمع ضمن هوية وطنية موحّدة وحدودٍ مستقرة، تظل الخيار الأكثر عقلانية واستدامة أذا اردنا أن نجد لنا قليل من الكرامة والمستقبل لابنائنا وبناتنا ولانتركهم شقاة باليومية عند الغير يستجدون قوت يومهم.
وهنا يتجلّى مأزق الواقع اليمني اليوم في استمرار الصراع على مشاريع سلطة مؤقتة لا تملك مقوّمات البقاء؛ فلا موارد مستقرة، ولا بيئة استثمارية مواتية، ولا مؤسسات دولة تحكمها الشرعية والعقلانية.
وفيما تمضي الأمم نحو بناء الإنسان وتعزيز قدراته على التنافس والتكامل الإقليمي، ما زال اليمن عالقاً في مشاريع صغيرة تُهدر فيها الطاقات وتضيع معها الفرص. وإذا استمر هذا النهج، فسنجد أنفسنا خارج مسار الحضارة ومتغيرات العالم.
لقد أنهك اليمنيون أنفسهم في صراعات عبثية أضعفت بنية المجتمع وأفقدت الدولة قدرتها على المبادرة والتنمية والاستقرار، بينما تواصل القوى الإقليمية والدولية توظيف الأزمات بما يخدم مصالحها قبل مصلحة اليمن واليمنيين.
وفي هذا السياق، مثَّل المجلس الانتقالي الجنوبي منذ نشأته حالة سياسية يصعب تجاوزها، إلا أنه – رغم ما راكمه من نفوذ وموارد – أخفق في التحوّل إلى مشروع وطني جامع يعبّر عن تطلعات اليمنيين شمالاً وجنوباً.
حيث أظهر الصراع القائم في المحافظات الشرقية محدودية تأثيره، بل وفقدانه القدرة على تمثيل الجنوب برمّته، برغم اعتماده على المال والسلاح لفرض رؤيته.
المجلس الانتقالي ظل خطابه أسيراً لمنطق المناطقية والمظلومية، وافتقر إلى الرؤية الوطنية الجامعة وإلى القبول الإقليمي والدولي اللازم للاستمرار.
ولو تبنّت القوى الداعمة له، وفي مقدمتها الإمارات، رؤية استراتيجية شاملة لبناء “اليمن الكبير” على قاعدة معالجة المظالم شمالاً وجنوباً ضمن وحدة اتحادية عادلة، لأمكن بلورة مشروع سياسي يحظى بشرعية حقيقية في الجنوب وفي بقية الداخل ودعمٍ مستدام من الجوار والعالم.
وعني أجد المجلس الانتقالي لقد أضاع منذ الايام الاولى ، شأنه شأن غيره من القوى الفاعلة، فرصة تاريخية بسبب القراءة القاصرة للمشهد اليمني وسوء تقدير توازنات القوى والتحولات الإقليمية.
وبدلاً من تطوير نموذجٍ إداري وسياسي يمني كفؤ يشكّل قاعدة لحكمٍ رشيد بعد اخفاق كل الاحزاب والكيانات اليمنية، انجرف إلى خطابٍ تعبوي ومناطقي عنيف وممارسات عسكرية عمّقت الانقسام وأضعفت قاعدته الشعبية وماخروج الناس هنا وهناك الا بسبب الفراغ والمال والتهديد ولا يمكن اعتباره مؤشراً لقاعدة جماهيرية فاعلة.
كما أدّى “البيان الدستوري” الأخير إلى تراجع موقعه القانوني والسياسي، وسيدفع المجتمع الدولي إلى النظر إليه ككيانٍ ذي نزعة انقلابية خارجة عن إطار الشرعية، وهو ما قد يعرّضه لمزيد من العزلة وربما لإجراءات دولية تقيّده إذا ما سعت الحكومة الشرعية وحلفاؤها لذلك.
في ضوء الانتكاسات الأخيرة في المحافظات الشرقية وتعامله مع مفهوم الشراكة داخل كيان الشرعية بأدوات القوة، يغدو البحث عن مخرج وطني عقلاني ضرورةً مصيرية لا ترفاً سياسياً للجميع لاسيما والمحافظات الشرقية وشبوة وقريبا ابين لن تقبل مشروع الانتقالي .
وهنا يبرز النموذج الاتحادي اللامركزي واطلاقه كإطارٍ لمرحلة استثنائية مناسب لتجاوز الأزمة، إذ يمنح المحافظات صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها المالية والخدمية والأمنية، ضمن دولة موحّدة تحافظ على سيادتها في الملفات الدفاعية والخارجية.
ويمكن، في هذا السياق، إنشاء مجالس إقليمية منتخبة تختار قيادة اتحادية تتألف من رئيسٍ وستة نواب يمثلون الأقاليم، بما يضمن توازناً مؤسسياً ويحوّل التنافس السياسي إلى تدافعٍ تنمويٍ إيجابي.
إن هذا النموذج الواقعي قادر على استقطاب دعمٍ خليجي ودولي، وجذب رأس المال الوطني والمستثمرين، وتحفيز الكفاءات اليمنية المهاجرة على العودة والمساهمة في إعادة الإعمار والتنمية مما يُسهم في تحويل اليمن من ساحةٍ للصراع والاقتتال المتكرر كل بضع سنوات إلى ساحةٍ للبناء والتنمية، ولا سيّما وأننا مجتمعٌ يتجه لتجاوز خمسةٍ وخمسين مليون نسمة خلال عقدٍ من الزمن.
فلماذا لا نُورِّث الأجيال القادمة مشروعاً يرتكز على العقل والتنمية، بعيداً عن مفاهيم البندقية والبارود ومنطق الغلبة. كما يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية القادرة على النهوض والنمو دون أن تمسّ بالهوية أو بالجغرافيا.
واليوم، يحتاج اليمن، بكل مكوّناته، إلى لحظة مراجعة شجاعة تُقدَّم فيها مصلحة الوطن على نزعات الانقسام والمكاسب القصيرة. فصوتُ العقل وحده هو المعبر الآمن نحو الوحدة والبناء والتنمية المستدامة.