Logo

مدارس الساحل الغربي... جحيم النزوح يحرم طلاب اليمن حقهم بالتعليم

 تحوّلت مدارس الساحل الغربي في اليمن إلى هياكل إسمنتية منسية أو ثكنات عسكرية ومخازن للعتاد، فيما بات بعضها مأوى لأسر فرّت من جحيم القتال وسُوّيَ بعضها الآخر أرضاً إثر القصف والغارات، 

فيما يعاني القطاع أزمة مركّبة، ويُحرم نحو 6.6 ملايين طفل من حقهم في التعليم بسبب النزاع والانهيار الاقتصادي.

لم يحمل أطفال الساحل الغربي في اليمن حقائبهم المدرسية وهم يفرّون من أتون المعارك في غرب تعز وجنوب الحديدة، بل تركوا كتبهم ودفاترهم في المنازل أو خلف مدارس أغلقت أبوابها. 

وقد أدّت جولات القتال الأخيرة إلى نزوح قسري لعشرات آلاف الأسر نحو المجهول، ليجد الأطفال أنفسهم في مخيمات تفتقر لأبسط مقوّمات الحياة والتعلم. 

​يتجسّد هذا الضياع الجماعي في ملامح جميل (13 عاماً)، الطالب الذي يقضي نهاره على الرصيف في مديرية التواهي في عدن، وهو لا يرى أمام عينيه سوى المجهول، 

يقول جميل "هربنا من الحرب ولا ندري إلى أين نذهب، أريد أن أعود إلى منزلنا وإلى مدرستنا في المخا بمحافظة تعز لأدرس مع زملائي".
 
وفي بيان صدر في 16 سبتمبر/ أيلول الجاري، أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بأنّ 243 مدرسة أُغلقت أو عُلّقت الدراسة فيها نتيجة التصعيد الأخير، 

ما أثر على أكثر من 137 ألف طالب، في مناطق شملت غربيّ تعز وجنوب الحديدة ومأرب ومناطق أخرى متضرّرة من القتال. 

وذكرت "يونيسف" أنّ أكثر من 104 آلاف شخص، بينهم أكثر من 57 ألف طفل، نزحوا في خلال أسبوعَين فقط، مشيرةً إلى أنّ القتال قطع إمكانية وصول الأطفال إلى الخدمات الأساسية، بما فيها التعليم.

وتأتي هذه الأرقام بعد أعوامٍ طويلة من تدهور قطاع التعليم في اليمن، إذ كانت المدارس واحدة من أكثر المؤسسات المدنية تأثراً بالحرب والنزوح والفقر.

 ومع احتدام المعارك أخيراً، لم تعد المدرسة في شريط الساحل الغربي ذلك الفضاء المخصّص لاحتضان الطفولة وبناء المستقبل، بل تحوّلت بفعل جولات القتال المتعاقبة إلى هياكل إسمنتية منسية أو ثكنات عسكرية ومخازن للعتاد. 

فمنذ اندلاع النزاع، تعرّضت البنية التحتية للتعليم في مديريات الساحل الممتدة بين تعز والحديدة، مروراً بالمخا والخوخة وحيس، لضربات موجعة، 

حيث تُظهر التقارير الحقوقية والمحلية خروج المئات من المؤسسات التعليمية عن الخدمة كلياً أو جزئياً، بين مدارس سُوّيتْ أرضاً إثر القصف والغارات، وأخرى أُغلقت أبوابها لأنها صارت قريبة من خطوط المواجهة أو باتت مأوى لعائلات فرّت من جحيم القتال. 

هذا التحول القسري للمنشآت التعليمية خلق معادلة مستحيلة جعلت العودة إلى مقاعد الدراسة أمراً دونه أشواك المخاطر وغياب البدائل، في ظلّ تعطّل وصول المعلمين إلى مدارسهم وتشتّت الأسر بين مناطق النزوح.
 
لا تقف خطورة هذا الدمار عند حدود الخسائر المادية في الجدران والأسقف فحسب، بل تمتد لتغتال الذاكرة التربوية للمنطقة، وتجعل المدرسة التي كانت ملاذاً آمناً للطفل عنواناً بارزاً لحجم الكارثة التي تسحق حقوق جيل كامل في التعلم. 

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنّ أزمة استخدام المدارس لأغراض غير تعليمية ليست جديدة في اليمن. 

فقد أظهر تقرير أممي صدر في يناير/ كانون الثاني 2024 عن الحاجات الإنسانية في اليمن، أنّ 2,426 مدرسة كانت، حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2023، متضرّرة كلياً أو جزئياً أو خارج الخدمة، بسبب استخدامها ملاجئ أو لأغراض غير تعليمية. 

وفي 21 مارس/ آذار 2025، وثّق تقرير أممي آخر بشأن الأطفال والنزاع المسلح في اليمن، 158 حالة استخدام عسكري للمدارس بين عامَي 2021 و2023، معظمها نُسب إلى جماعة الحوثيين، مع توثيق حالات أيضاً لقوات حكومية وتشكيلات مسلحة أخرى.

لم يقتصر الأمر على حرمان الطلاب من مدارسهم الأصلية فحسب، بل رافقت جولات القتال في اليمن موجات نزوح قاسية ومتكرّرة، اقتلعت آلاف الأطفال من جذورهم التعليمية، وألقت بهم في مهبّ المجهول. 

فقد شكّلت رحلة النزوح المضنية فصلاً آخر من المعاناة، إذ وجد الطلاب وأسرهم أنفسهم محشورين في مناطق قاحلة وخيام مهترئة تفتقر إلى أبسط مقوّمات الحياة، فضلاً عن خلوّ مخيمات النزوح تماماً من أيّ بدائل موقّتة مثل الخيام التعليمية أو المساحات الصديقة التي يمكن أن تحفظ للطفل حقّه في التعلم.

كما أنّ تحويل المدارس إلى مراكز إيواء لا يجعل المباني غير صالحة للتعليم فحسب، بل يخلق أزمة ممتدة تتجاوز فترة النزوح ذاتها، فهذه المنشآت تحتاج لاحقاً إلى إعادة تجهيز وتأهيل مكلفة قبل استئناف الدراسة. 

هذا التعطيل المزدوج، إلى جانب التنقل والنزوح المستمر، أدّى تدريجياً إلى تآكل الهوية المدرسية وضياع الملفات والوثائق التعليمية، ليجد الطلاب أنفسهم أمام فراغ قاتل يعزلهم عن فصولهم وكتبهم. 

وبينما تعجز الجهات الإغاثية عن تلبية الحاجات التعليمية الملحّة وسط زحمة الأزمات المعيشية، يبرز التهديد الأخطر للحرب، إذ قد تتحوّل فترة الانقطاع الموقّتة لحماية الطلاب من القصف إلى تسرّب دائم وقطيعة تامّة عن الدراسة تُنذر بضياع جيلٍ كاملٍ غرق في دوّامة النزوح والحرمان.
 
ولا يمكن فصل أزمة التعليم عن موجة النزوح العارمة التي أحدثها التصعيد الأخير في الساحل الغربي.

 وبحسب ما رصدته المنظمة الدولية للهجرة في 21 سبتمبر الجاري، نزح نحو 128,382 شخصاً في الفترة الممتدة ما بين 1 أغسطس/ آب الماضي و20 سبتمبر الجاري، أي ما يقارب 21,397 أسرة، نتيجة التصعيد في الساحل الغربي. 

وبذلك، يرتفع العدد التراكمي المسجّل للنازحين إلى 129,438 شخصاً (21,573 أسرة) منذ بدء المناوشات في يونيو/ حزيران الماضي.

 ووفقاً للمنظمة الأممية، سُجلت أكبر كثافة للنازحين في محافظة تعز التي استقبلت 73,494 نازحاً (57%)، تلتها محافظة لحج بـ33,828 نازحاً (26%)، ثم محافظة عدن بـ8,946 نازحاً (7%)،

 كما سُجّلت حالات نزوح إضافية في كلّ من الحديدة (8,244 نازحاً - 6%)، وأبين (3,324 نازحاً - 3%)، وحضرموت (1,008 نازحين - أقلّ من 1%)، ومأرب (594 نازحاً - أقلّ من 1%).

وراء كلّ رقم من هذه الأرقام طفل في سنّ الدراسة، كان يحظى بمقعدٍ في مدرسة، قبل أن يجد نفسه في خيمة نزوح، أو على رصيف شارع، يفترش الأرض ولا يدري وجهته. 

وفي مكان نزوحه، قد لا تكون هناك مدرسة قريبة، أو قد تكون المدارس مكتظة، أو لا يملك النازحون المال لشراء الزيّ المدرسي والكتب والمستلزمات. 

وهكذا لا يغادر الطفل مدرسته وحدها، بل يُحرَم من شبكة كاملة من الاستقرار، تبدأ بالمعلم وزملاء الصف، وصولاً إلى الروتين اليومي الذي يمنحه الشعور بالأمان.

وتتجسّد المأساة في شهادات ميدانية تروي وجع النزوح وانقطاع التعليم، إذ تعبّر الطالبة سارة عن رغبتها بالعودة إلى فصول الدراسة. 

وتقول "نزحنا من بيوتنا هرباً من الحرب، ونعيش اليوم في مخيمٍ لا يمكننا متابعة التعليم فيه. أريد أن تنتهي الحرب كي نعود إلى منازلنا ومدرستنا". 

سارة التي تخشى أن تطول فترة النزوح، كانت في الصف الثامن الأساسي، قبل أن تضطرّ إلى النزوح رفقة أسرتها من منطقة الكدحة غربيّ تعز عقب اشتداد المعارك.
 
أما المعلم عبد السلام (اسم مستعار)، الذي كان يعمل في إحدى مدارس المخا واضطرّ إلى النزوح مع أسرته نحو مدينة التربة جنوبيّ تعز، فيسرد معاناته 

ويقول: "أريد أن أعود إلى صفوفي وطلابي، ولكن توقف المعارك وحده لا يكفي، ففي ظلّ الانقسام الإداري وتغيّر المناهج في مناطق سيطرة الحوثيين، أجد أنّنا أمام خيارات بالغة الصعوبة؛ إما التوقف عن التعليم أو النزوح بحثاً عن بيئة تعليمية آمنة".

وتأتي جولات القتال الأخيرة في وقت يعاني فيه قطاع التعليم في اليمن من أزمة عميقة ومركّبة، وسط انقسام الإدارة التربوية بين سلطتين، 

فضلاً عن الانقطاع الشامل لرواتب المعلمين في مناطق سيطرة الحوثيين، وعدم انتظامها وضآلة قيمتها في مناطق الحكومة المُعترف بها دولياً. وهو واقع متردٍ تفاقم بفعل الحرب، ليضاعف من نسب التسرب المدرسي، ويدفع بمزيدٍ من الأطفال خارج أسوار المعرفة.

وفي تقييم نشرته منظمة "سيف ذا تشيلدرن" (أنقذوا الأطفال) في مارس الماضي، شمل 2,225 أسرة و4,933 طفلاً في سن الدراسة في محافظات عدن ولحج وتعز، 

تبيّن أنّ 63% من الأطفال الذين شملهم المسح كانوا خارج المدرسة، بينهم 1,583 طفلاً لم يلتحقوا بالتعليم إطلاقاً، و1,287 تسرّبوا من المدرسة، فيما كانت 62.4% من الأسر المشمولة بالمسح، نازحة. 

وفي بيان سابق نشرته "أنقذوا الأطفال" في 27 أغسطس الماضي، كشفت أنّ نحو ثلثَي الأطفال الذين شملهم مسحٌ أُجري في أربع مديريات بجنوب اليمن، هم خارج المدرسة. 

وقد أظهر المسح أنّ طفلاً واحداً تقريباً من بين كلّ ثلاثة أطفال (أي ما يعادل 32%) لم يلتحق بالمدرسة قطّ، في حين أنّ طفلاً واحداً من بين كلّ أربعة أطفال قد تسرّب من التعليم ويحتاج إلى دعم عاجل للعودة إليه. 

وأظهر المسح ذاته أنّ نحو واحدة من كل خمس حالات تسرّب كانت مرتبطة بعمل الأطفال، فيما أكّدت 84% من الأسر أنّها غير قادرة على تحمّل تكاليف التعليم، مثل الكتب والزيّ المدرسي.
 
وفي السياق، تشير الأمم المتحدة إلى أنّ محدودية الموارد تجعل الاستجابة التعليمية غير قادرة على الوصول إلى جميع الأطفال المحتاجين. 

وتحذّر في تقرير صدر في مارس الماضي بعنوان "خطة الاستجابة للحاجات الإنسانية في اليمن" من أنّ نحو 6.6 ملايين طفل في سن الدراسة يُحرمون من حقهم في التعليم بسبب النزاع والانهيار الاقتصادي، 

فيما يواجه 1.7 مليون طفل نازح في سن الدراسة عوائق إضافية، من بينها بُعد المدارس، ونقص الوثائق، والفقر المدقع. وتقرّ الخطة الأممية بأنّ الموارد المتاحة لا تسمح سوى باستهداف ما يقارب 1.3 مليون طفل و14,500 معلم في خلال العام الجاري. 

وبذلك، تبدو الفجوة أكبر من قدرة الاستجابة الإنسانية الحالية.

بدورها، نبّهت منظمة يونيسف هذا الشهر (سبتمبر) إلى أنّ 3.2 ملايين طفل في سن الدراسة كانوا خارج المدرسة حتى قبل التصعيد الأخير، في حين كان نحو 12.2 مليون طفل في اليمن بحاجة إلى مساعدات إنسانية. 

وأمام هذه الأزمة الإنسانية تتعالى الأصوات الحقوقية والمجتمعية للمطالبة بتدخلات عاجلة تتجاوز المساعدات الغذائية الطارئة لتشمل التعليم الطارئ. 

وفي السياق، تحاول بعض المنظمات المحلية والدولية إنشاء مساحات تعليمية موقّتة (خيام مدرسية) وتوفير الحقائب والقرطاسية لتخفيف حدّة الصدمة عن الأطفال، 

غير أنّ شحّ التمويل واتّساع رقعة النزوح يجعلان هذه الجهود مجرد "قطرة مياهٍ" مقارنةً بحجم الحاجات، ما يترك الآلاف من أطفال الساحل الغربي يصارعون المجهول، بانتظار قيام دولةٍ موحّدة تُعيد بناء مدارسهم قبل أن يجرفهم قطار الأمّيّة والضياع.

 فخر العزب
صحافي يمني