حرب الممرات المائية... الحوثي يبتز العالم
الرأي الثالث
في الوقت الذي لم يخرج فيه العالم بعد من أزمة "نُقرة" رسوم مضيق هرمز في ظل رفض إيران المقترح العُماني الأخير وتعقّد المفاوضات بشأن إعادة فتح المضيق،
فإذا به يقع في "دحديرة" مضيق باب المندب الاستراتيجي، التي قد تتحول إلى حفرة عميقة إذا ما أقدمت جماعة الحوثي على ابتزاز العالم وتنفيذ تهديدها بفرض رسوم عبور على الممر الأكثر أهمية للتجارة الدولية، في محاولة لزيادة الضغط على الولايات المتحدة
خصوصًا أن الخطوة ستجلب القلاقل والتوتر العسكري إلى واحد من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
ويومًا بعد يوم، يزداد الخناق على الاقتصاد العالمي بسبب التوتر الجاري في المنطقة والحرب على إيران منذ نهاية شهر فبراير/ شباط الماضي.
ومع هذا الخناق، تتأزم حرب الممرات المائية، ومعها أسواق التجارة والطاقة ومشتقات الوقود والأغذية والأدوية والأسمدة ومستلزمات الإنتاج وغيرها، بسبب الضربات المتلاحقة التي لا أحد يعرف متى تنتهي.
أحدث ضربة تلقاها كل هؤلاء هي ما نشرته وكالة رويترز اليوم الأربعاء من أن جماعة الحوثي تدرس فرض رسوم على السفن التجارية وحركة الملاحة عبر جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب،
وذلك بعد أيام من إعلانها فرض حصار بحري على السعودية، واستهداف سفن وشحنات نفطية بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وإرغام عدد منها على تغيير وجهته من الجنوب نحو الشمال وقناة السويس.
بل إن الأخطر هو استهداف الجماعة الحوثية عددًا من المواقع الحساسة لإمدادات النفط السعودي ونقله، التي تربط شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر، الذي يُصنَّف مركزًا رئيسيًا لتصدير النفط السعودي، وهو ما أربك أسواق الطاقة العالمية.
تهديد الحوثيين بفرض رسوم على السفن المارة بمضيق باب المندب يُعدّ تصعيدًا خطيرًا وأمرًا في منتهى الخطورة؛
فالمضيق يدعم أمن الطاقة العالمي، وهو شريان للتجارة العالمية، إذ يمر عبره ما بين 12% و15% من إجمالي حجم التجارة البحرية، ونحو 30% من تجارة الحاويات، وتتجاوز قيمة السلع والبضائع المارة فيه تريليون دولار سنويًا،
وبالتالي، فإن تأثيرات الخطوة، إن نُفذت، لا تقتصر فقط على زيادة كلفة النفط والغاز الخليجي والعراقي المار إلى أسواق العالم عبر مضيق هرمز أو الخليج العربي،
بل ستكون التأثيرات الأكبر على التجارة الدولية، سواء القادمة من دول جنوب شرق آسيا، مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان وغيرها من الدول الصناعية، نحو أوروبا والولايات المتحدة، أو القادمة في الاتجاه المعاكس.
الأخطر هو استهداف الجماعة اليمنية عددًا من المواقع الحساسة لإمدادات النفط السعودي ونقله، التي تربط شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر، الذي يُصنَّف مركزًا رئيسيًا لتصدير النفط السعودي
وإقدام الحوثيين على تنفيذ تلك الخطوة، المخالفة للقوانين الدولية، سيدفع السفن التجارية المارة عبر باب المندب والبحر الأحمر إما إلى سداد الرسوم المطلوبة وتحميلها على المستهلك والدول المستوردة، أو إلى اللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني قطع مسافة أطول والتعرض لمخاطر القراصنة الصوماليين.
وفي كل الأحوال، فإن النتيجة هي زيادة الأعباء على التجارة الدولية، التي تشهد كلفًا مرتفعة وتعقيدات كبيرة في سلاسل التوريد ونقل بعض السلع الضرورية، التي شهدت زيادة في الأسعار بعد اندلاع الحرب على إيران.
كما تزيد الأعباء على شركات النقل الأوروبية والآسيوية والعالمية، التي باتت تتكبد تكاليف إضافية ضخمة بسبب اضطرارها إلى تفادي الممرات المائية الساخنة والإبحار حول رأس الرجاء الصالح.
الحوثيون يلعبون بالنار ويبتزون العالم بسلاح باب المندب، وكذلك تمارس إيران والولايات المتحدة الفعل نفسه،
إذ إن استهداف الممرات المائية من قبل الأطراف الثلاثة يمثل تهديدًا مباشرًا للتجارة الدولية والاقتصاد العالمي، الذي بات يعاني بشدة من تباطؤ النمو والتضخم، سواء في أسعار السلع والشحن ومدخلات الإنتاج، أو في زيادة أعباء التأمين ضد المخاطر المختلفة
خصوصًا أن هؤلاء جميعًا باتوا يستخدمون الممرات سلاحًا بتّارًا يشهره كل طرف في وجه الآخر، ويقحمون الرسوم في الصراع الدائر.
وفي النهاية، فإن الجميع متضررون من فرض رسوم على باب المندب ومضيق هرمز: دول الخليج والعراق، ومصر ومعها قناة السويس والأردن، والدول المطلة على البحر الأحمر،
مثل السعودية والأردن والسودان وجيبوتي وإسرائيل، وكذلك أوروبا، التي تعتمد أسواقها على السلع القادمة من جنوب شرق آسيا عبر البحر الأحمر.
مصطفى عبد السلام
صحافي مصري