Logo

ما حقيقة الهاشميين في اليمن؟

 لم يُطرح هذا السؤال، بصيغته الصريحة والمباشرة، منذ تشكّل مفهوم «الهاشمية» في اليمن، كما لم تحظَ جذور هذه الهوية المتخيَّلة بأي دراسة علمية جادة تسعى إلى تفكيكها وكشف بنيتها التاريخية والاجتماعية. 

ويُعد هذا الغياب مفهومًا في سياقه؛ إذ إن السلطة الكهنوتية التي حكمت اليمن قرونًا طويلة كانت ولا تزال تهيمن على مخرجات التعليم والمعرفة، وتحرص على إبقاء هذا الملف خارج دائرة السؤال، خشية انكشاف الحقيقة الكامنة خلف الادعاء بالنسب إلى آل البيت النبوي، وتحوله إلى هوية سياسية ودينية مصطنعة.

تشير دراسات التاريخ الاجتماعي لليمن القديم، كما عند جواد علي ويوسف محمد عبد الله، إلى أن المجتمع اليمني لم يعرف يومًا الامتياز الوراثي أو التقسيم السلالي، وأن هذه التصنيفات لم تكن نتاج تطور اجتماعي طبيعي، بل أُدخلت لاحقًا بوصفها أدوات للهيمنة السياسية.

 ويعزز ابن خلدون هذا الطرح حين يربط تضخم دعاوى النسب بتوظيفها السياسي، لا بكونها حقيقة بيولوجية، وهو توصيف ينطبق بوضوح على الحالة اليمنية.

وفي ظل تصاعد الحديث عن التشظي الاجتماعي في اليمن، تبرز ضرورة تجنب الوقوع في فخ تكريس الاستقطاب الحاد بين ثنائية «السادة/الأشراف» وبقية أبناء المجتمع. 

فهذا الانقسام لم ينشأ بوصفه تعبيرًا تلقائيًا عن اختلاف اجتماعي أو ثقافي، بل جرى زرعه بشكل ممنهج من قبل منظومة الإمامة الهادوية الكهنوتية، كوسيلة لإحكام السيطرة على المجتمع وإطالة عمر مشروعها السلطوي. 

ومن هنا تبرز أهمية مقاربة مسألة هوية الهاشميين في اليمن مقاربة هادئة، تستند إلى المعطيات التاريخية والاجتماعية والعلمية، لا بهدف التحريض أو الإقصاء،

 بل للوصول إلى نتيجة جوهرية مفادها أن الصراع الحقيقي لم يكن يومًا بين «سادة» و«رعية»، بل بين ابناء المجتمع اليمني ، وبمباركة مشروع سلطوي كهنوتي من جهة أخرى، مشروع شكّل على الدوام عائقًا أمام قيام دولة مدنية حديثة قائمة على العدل والمساواة والمواطنة المتكافئة.

فالمجتمع اليمني، في عمقه التاريخي، لم يعرف تقسيمًا طبقيًا مؤسسًا على النسب أو السلالة. لقد تشكّلت بنيته الاجتماعية حول علاقة الإنسان بالأرض، والزراعة، وبناء السدود، وازدهار العمران، وتنوّع الإنتاج الثقافي والفني. 

وتشهد النقوش المسندية على هذا النمط من  التنوع والبنية الاجتماعية ، حيث تعكس مجتمعًا يقوم على الفعل والإنتاج والانتماء إلى الأرض، لا على الامتياز الوراثي أو القداسة السلالية. 

ومن هذا المنظور، فإن ظهور طبقة اجتماعية مميزة أُطلق عليها لاحقًا «السادة» أو «الأشراف» يُعد ظاهرة دخيلة على المجتمع اليمني، لا امتدادًا طبيعيًا له.

ويرتبط هذا التحول الجذري بقدوم الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسي إلى اليمن في أواخر القرن الثالث الهجري، وبشروعه في تأسيس الدولة الهادوية القائمة على نظرية الإمامة، التي حصرت الحق في الحكم في ذرية الحسن والحسين. 

وقد قوبل هذا الطرح برفض ومقاومة واضحة من المجتمع اليمني، لأنه لم يكن منسجمًا مع بنيته السياسية والاجتماعية، ولا مع تقاليده التاريخية التي لم تعترف بفكرة الحق الإلهي أو السلالي في الحكم. 

وأمام هذا الرفض، وجد المشروع الإمامي نفسه معزولًا، ما دفع الهادي ومن خلفه إلى البحث عن وسائل عملية لكسر هذه العزلة.

في هذا السياق، جرى استقطاب بعض الأسر اليمنية ومنحها صفة الانتساب إلى آل البيت، أو ربطها بهم رمزيًا، لتكون أداة لترسيخ النفوذ الإمامي ومواجهة الرفض الشعبي الواسع. 

وقد وجدت تلك الأسر في هذا الادعاء مصدرًا للامتيازات المادية والرمزية، وانجذبت إلى الهالة القدسية التي أُحيط بها آل البيت، فتحولت مع مرور الوقت إلى قاعدة اجتماعية وسياسية داعمة للنظام الإمامي الكهنوتي. 

وبهذه الآلية، توسّع الادعاء بالنسب الهاشمي في اليمن، حتى وصلت نسبة المصنفين ضمن هذه الفئة إلى ما بين خمسة وسبعة في المائة من السكان، وهي نسبة يستحيل تفسيرها بأي معيار بيولوجي أو علمي، بقدر ما تعكس وظيفة سياسية واجتماعية جرى بناؤها بعناية.

ولم يبقِ هذا الادعاء في إطار الأنساب فحسب، بل تحوّل إلى أداة لإنتاج هوية متعارضة مع الهوية الوطنية الجامعة، وأسهم في إحداث شرخ عميق في النسيج الاجتماعي اليمني. 

وقد ترافق ذلك مع سياسة تجهيل ممنهجة مارسها الأئمة، طالت عموم المجتمع، كما طالت تلك الأسر نفسها، التي جرى إقناعها بانتماء سلالي زائف، ففقدت تدريجيًا صلتها بهويتها اليمنية الحقيقية. ونتيجة لذلك، نشأ وعي مشوَّه يعادي مبدأ المواطنة المتساوية، ويعيد إنتاج الامتيازات الطبقية بوصفها حقائق مقدسة، لا بوصفها أدوات سياسية مصنوعة.

وعليه، فإن طرح السؤال حول الهوية الحقيقية لما يُعرف بالهاشميين في اليمن لا ينبغي أن يُفهم بوصفه سؤالًا إقصائيًا، بل باعتباره مدخلًا لتحرير الوعي من الخديعة التاريخية التي صنعتها الإمامة. 

فالغالبية الساحقة من هذه الفئة يمنيون في الأصل والجذور، جرى فصلهم رمزيًا عن هويتهم الوطنية وربطهم بهوية فوقية مصطنعة، خدمت مشروعًا سلطويًا بعينه. 

وإن إدراك هذه الحقيقة يُعد خطوة أساسية في تفكيك البنية الذهنية التي ما تزال تعيق استعادة اليمن لهويته التاريخية والحضارية، وتمنع قيام دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، لا على النسب، ولا على السلالة، ولا على أوهام الاصطفاء والتفوق.

المراجع 

1. جواد علي
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
2. يوسف محمد عبد الله
نقوش المسند: قراءة في المجتمع والدولة في اليمن القديم
3. عبد العزيز المقالح
اليمن: الإنسان والحضارة
4. إسماعيل الأكوع
هجر العلم ومعاقله في اليمن
5. محمد عبد الله العروي
مفهوم الدولة (للاستناد النظري)
6. أحمد حسين شرف الدين
الإمامة الزيدية في اليمن
7. هشام جعيط
الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر
8. ابن خلدون المقدمة
9. عبد الله العروي
السنة والإصلاح
10. محمد جميح
اليمن: الجمهوريون والإمامة
11. علي محمد زيد
الدولة في اليمن: إشكالية التكوين والوعي

قراءة: هاشم جوهر
كاتب وباحث يمني