Logo

تطور الصراع السياسي والاجتماعي في اليمن: دور الهويات الوافدة والاستغلال السياسي للدين

 يُعد اليمن حالة استثنائية في دراسة التفاعل بين الجغرافيا والتاريخ والهوية، حيث شكّل التوازن - أو الصراع - بين السلطة الدينية القادمة والنظام الاجتماعي القبائلي المحلي محورًا للتحولات السياسية الكبرى.

 وعلى مدى أكثر من ألف عام، لعبت الهويات السياسية-الدينية الوافدة دورًا حاسمًا في تحويل الدين من إطار أخلاقي وجمعي إلى أداة لشرعنة السلطة واستبعاد الآخر. 

يسعى هذا المقال إلى تحليل الجذور التاريخية لهذا التحول، مركزًا على تأثير ادعاءات الانتماء السلالي المقدس على تشكيل البنى السياسية وتفكيك النسيج الاجتماعي في اليمن، وكيفية ترسيخ ذلك لشرخ هوياتي مستمر أعاق بناء دولة المواطنة الحديثة.

يُعزى أحد أبرز التحولات في البنية السياسية والاجتماعية اليمنية إلى وصول الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسي (المتوفى عام 298 هـ / 911 م) حاملًا تصورًا سياسيًا-دينيًا يقوم على فكرة الإمامة السلالية المستندة إلى النسب إلى البيت النبوي، 

وهو مفهوم لم يكن راسخًا في التكوين الاجتماعي اليمني المبكر الذي تلقى الإسلام كرسالة تحررية قائمة على العدل والمساواة، كما تُجسد في النصوص التأسيسية (القرآن الكريم، سورة الحجرات: الآية 13). 

وقد لاحظ مؤرخون كالرازي في "تاريخ صنعاء" مقاومة قطاعات قبلية واسعة لهذا المفهوم الوافد، في حين تعاملت قوى قبلية أخرى معه كواقع جديد يمكن توظيفه لتحقيق مكاسب سياسية ونفوذ (الرازي، تاريخ صنعاء). 

ومع مرور الزمن، تحول هذا الادعاء السلالي إلى أداة ممنهجة لتكريس السلطة وشرعنتها، حيث وظف لتشكيل شبكات زبائنية معقدة كسرت العزلة المحتملة لدولة الأئمة، وهو ما تتبعه مؤرخون لاحقون مثل الشوكاني في "البدر الطالع".

لقد أسهم هذا المنطق في إنتاج طبقة سلالية مغلقة مارست تمييزًا سياسيًا واجتماعيًا تحت غطاء ديني، محولة الدين إلى أيديولوجيا مغلقة تهدف للاستئثار بالسلطة والموارد. 

وتقدم كتابات أئمة زيديين أنفسهم، مثل "الشامل" لعبد الله بن حمزة، وكذلك تحليلات المؤرخين المعاصرين، صورة عن كيفية تحويل الموارد الدينية كالزكاة والأوقاف إلى ملكيات خاصة وشبكات نفوذ، 

كما يتضح في سجلات الدولة القاسمية في القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي (إسماعيل الأكوع، تاريخ اليمن الحديث والمعاصر). 

وهذا يعكس تحولًا جوهريًا في علاقة الدين بالسلطة والمجتمع، من إطار جامع إلى أداة لتفكيك التضامن الاجتماعي الأصلي.

وعلى الصعيد الديموغرافي والاجتماعي، تشير الأدلة التاريخية والعلمية إلى ضعف الأساس الواقعي للانتشار الواسع لادعاءات النسب الهاشمي.

 فكما يوضح حسين عبد الله العمري في "اليمن: الإنسان والحضارة"، كانت الهجرات الفعلية للهاشميين إلى اليمن محدودة ولا تتناسب مع النسب المعلنة اليوم، والتي تقدرها بعض الدراسات بما بين 5% و7% من السكان. 

بل وتؤكد البحوث الجينية الحديثة، مثل دراسة "Almarri et al., 2014" المنشورة في American Journal of Human Genetics، التنوع الجيني الكبير للسكان اليمنيين دون وجود بصمة وراثية متجانسة تدعم هذه السلالة المزعومة على نطاق واسع. 

وهذا التناقض بين الادعاء والواقع يكشف عمق التحوير التاريخي الذي رافق بناء النخب السلالية.

لقد ترتب على ترسيخ هذه "الخرافة السلالية"، كما يصفها بعض الباحثين، شرخ عميق في النسيج الوطني اليمني. 

فالصراع السياسي تحول إلى صراع هوياتي مقدس يصعب حله عبر التسويات السياسية التقليدية، وهو ما عمق الاحتقان الاجتماعي على مدى القرون. 

وأصبح الولاء للنسب أو المذهب الموروث معيارًا للشرعية والانتماء، على حساب مفهوم المواطنة المتساوية. 

وهذا يفسر، إلى حد كبير، استمرار الدور المركزي للانتماءات السلالية والمذهبية في الصراعات اليمنية الحديثة، بدءًا من ثورة 1962 ومرورًا بحرب 1994 ووصولًا إلى الحرب الراهنة التي تتقاطع فيها هذه العوامل مع تدخلات إقليمية ودولية.

إن الخروج من هذا المأزق التاريخي يبدأ بإعادة بناء سردية وطنية جامعة، تقوم على التأكيد على حقيقة الانتماء اليمني الأصيل والاعتراف بأن اليمنيين لم يكونوا في حاجة إلى أنساب متخيلة لتأكيد كرامتهم وقيمهم الحضارية. 

إن الدعوة إلى تجاوز هذه الادعاءات ليست تنكرًا للدين، بل هي محاولة لتحرير الدين من الاستغلال السياسي واستعادة قيمه الأصلية في العدل والمساواة والكرامة الإنسانية.

 فمستقبل اليمن المستقر رهين بقدرة أبنائه على صياغة عقد اجتماعي جديد، تقوم عليه دولة مدنية حديثة تُؤسس هوية مواطنة جامعة، تقوم على الحقوق والواجبات المتساوية، وتقطع مع تراث الامتيازات القائمة على النسب أو الانتماءات الضيقة. 

مستلهمين في ذلك الروح الأصلية للإسلام التي جاءت لتوحيد البشرية تحت مبدأ التقوى والعدل.

* قراءة : هاشم جوهر
باحث وكاتب يمني