Logo

مدبولي يطرح ملف النيل أممياً.. ومصر تصعّد لهجتها بشأن سد النهضة

 الرأي الثالث - وكالات

 نقل رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ملف الأمن المائي إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أحدث تصعيد دبلوماسي مصري بشأن أزمة سد النهضة الإثيوبي، 

مؤكداً أن "الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة"، ومشدداً على احتفاظ القاهرة "بحقها المشروع والمكفول من ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي بحماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها".

 وتأتي لهجة مدبولي الجديدة في جلسات الأمم المتحدة، خلال اليومين الماضيين، بعد أيام من سلسلة تصريحات مصرية متصاعدة بشأن السد، كان أبرزها تأكيد وزير الموارد المائية والري هاني سويلم أن القاهرة لن تقبل فرض "أمر واقع" جديد في النيل الشرقي، وأنها تحتفظ بكل الخيارات والإجراءات التي يكفلها القانون الدولي لحماية أمنها المائي.

ولا تبدو الإشارة إلى القانون الدولي في خطاب مدبولي الأخير منفصلة عن التحرك المصري خلال الأسابيع الأخيرة، إذ تحاول القاهرة إعادة صياغة قضية سد النهضة باعتبارها قضية تتصل بقواعد استخدام مورد مائي عابر للحدود، وبمدى جواز اتخاذ قرارات أحادية يمكن أن تؤثر في دول المصب، وليست خلافاً فنياً حول إدارة سد لتوليد الكهرباء فحسب. 

وتزامن خطاب مدبولي مع تحرك مصري لافت خلال سبتمبر/أيلول الحالي لتوسيع نطاق القضية. ففي اجتماع مع وسائل إعلام دولية في القاهرة، قال سويلم إن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالسد القائم، وإنما بما وصفه بمحاولات السيطرة الأحادية على مياه النيل الأزرق،

 محذراً من أن تشغيل سد النهضة بصورة منفردة يمكن أن يؤدي إلى تغيرات حادة في التدفقات إلى دول المصب.

وفي هذا السياق، قال محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، إن تأكيد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة يعكس ثوابت الموقف المصري تجاه مياه النيل، 

مشيراً إلى أن التعامل مع نهر النيل يجب أن يقوم على التعاون واحترام حقوق دول المصب، وليس على الإجراءات الأحادية أو فرض الأمر الواقع. 

وأضاف علام أن مصر لا تعارض حق دول حوض النيل في التنمية والاستفادة من مواردها المائية، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تقبل بأي ترتيبات تمس حقوقها المائية أو تفرض واقعاً جديداً على نهر دولي مثل النيل.

وأوضح أن التصريحات المصرية الأخيرة تؤكد أن قضية مياه النيل لا تتعلق بسد النهضة وحده، وإنما بمستقبل إدارة موارد النهر بالكامل، 

مشدداً على ضرورة أن تتعاون دول الحوض في ما بينها لتحقيق التنمية دون الإضرار بأي دولة من دول الحوض. وأشار علام إلى أن حصة مصر المائية يجب أن تشهد زيادة خلال الفترة المقبلة، بدلاً من استمرار فقد كميات كبيرة من المياه في مناطق المنابع، 

موضحاً أن هناك فرصاً لتنمية بعض هذه الموارد والاستفادة منها لصالح دول حوض النيل بما يحقق مكاسب مشتركة لدول المنبع والمصب. 

وتابع أن جزءاً كبيراً من المشكلة الحالية يرتبط بغياب التعاون الحقيقي في إدارة موارد النيل، مؤكداً أن التعامل الأمثل مع القضية يتمثل في البحث عن فرص لزيادة الموارد والاستفادة منها، بدلاً من تحويل المياه إلى مصدر للصراع بين دول الحوض.

وأكد وزير الري الأسبق أن مصر تملك من الأدوات والإمكانات ما يمكّنها من حماية أمنها المائي وحقوقها المشروعة، إلا أن التعامل مع الملف يجب أن يستند إلى الهدوء وحسن تقدير الموقف، مع استمرار التحرك الدبلوماسي والقانوني لحماية المصالح المصرية.

 وشدد علام على أن دول حوض النيل بحاجة إلى العمل معاً لتحقيق مصالح شعوبها، بدلاً من الدخول في صراعات أو الاستجابة لضغوط خارجية، لافتاً إلى أن التعاون بين دول الحوض يمكن أن يحوّل مياه النيل من مصدر للخلاف إلى عامل للتنمية والاستقرار.
 
وكان وزير الموارد المائية الإثيوبي هبتامو إتيفا قد أكد، في تصريحات سابقة، حق بلاده في تطوير مواردها المائية، ورفض المطالب المصرية المتعلقة بالإدارة المشتركة للسد. 

كما دافع مسؤولون إثيوبيون عن حق أديس أبابا في اتخاذ قراراتها السيادية في مجال بناء السدود، مؤكدين أن التنمية المائية الإثيوبية لن تتوقف عند سد النهضة.

 وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية مع إعلان إثيوبيا خططاً لثلاثة مشروعات كهرومائية جديدة على النيل الأزرق، هي "كارادوبوبي" و"مندايا" و"بيكو أبو"، ضمن ما يوصف بسلسلة مشروعات لتطوير إمكانات النهر. 

وتظل هذه المشروعات في مراحل التخطيط والإعداد، لكنها تعكس انتقال إثيوبيا إلى تصور أوسع لاستغلال موارد النيل الأزرق بعد اكتمال سد النهضة.

وانتقد نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة، التصريحات الإثيوبية بشأن امتلاك القدرة على التحكم في المياه المتجهة إلى مصر والسودان، 

معتبراً أن هذا النوع من الخطاب قد يفتح الباب أمام أزمة قانونية وسياسية أوسع، خصوصاً أن قواعد القانون الدولي المنظمة للمياه العابرة للحدود تقوم على مراعاة مصالح الدول المتشاطئة وعدم اتخاذ إجراءات من شأنها إلحاق ضرر ملموس بها. 

وأوضح نور الدين أن دول المنبع لا تتمتع بسلطة مطلقة على تدفقات الأنهار الدولية، وأن المشروعات المائية الكبرى لا ينبغي أن تؤدي إلى تغيير جوهري في كميات المياه الواصلة إلى دول المصب أو توقيت وصولها أو نوعيتها.

 وأضاف أن إدارة الموارد المائية المشتركة تتطلب قدراً من التنسيق والإخطار والتوافق بين الأطراف المعنية بما يحول دون تحول المشروعات المائية إلى مصدر دائم للتوتر بين دول الحوض.

وأشار أستاذ الموارد المائية إلى أن الخلاف المصري الإثيوبي قد يتأثر كذلك بالتطورات السياسية في منطقة القرن الأفريقي، في ظل سعي أديس أبابا إلى تعزيز حضورها الإقليمي والبحث عن منفذ بحري، 

واعتبر أن تزامن هذه الملفات قد يفسر جانباً من التصعيد في الخطاب المتبادل بين القاهرة وأديس أبابا، لا سيما مع تمسك مصر برفض إقامة مشروعات جديدة على النيل الأزرق بصورة منفردة ومن دون ترتيبات تضمن عدم الإضرار بمصالح دول المصب.

 وأكد نور الدين أن الموقف المصري، وفق رؤيته، لا يقوم على رفض حق إثيوبيا في التنمية أو الاستفادة من مواردها المائية، وإنما يتمحور حول ضرورة ألا تتم هذه التنمية على حساب الأمن المائي للدول الأخرى، وأن تكون المشروعات المقامة على الأنهار الدولية متوافقة مع حقوق الدول المتشاطئة ومصالحها.

واعتبر أن إعلان وزير المياه الإثيوبي امتلاك بلاده القدرة على التحكم في تدفقات المياه المتجهة إلى مصر والسودان ربما تكون له أهمية في أي تحرك قانوني أو دبلوماسي مستقبلي، باعتبار أن التصريحات الرسمية يمكن الاستناد إليها عند تقييم المواقف المعلنة للدول. 

وشدد نور الدين على أن استمرار التصعيد اللفظي لن يحسم الخلاف القائم بين القاهرة وأديس أبابا، وأن الطريق الأكثر فاعلية يمر عبر تفاوض يستند إلى الجغرافية والقانون الدولي ومصالح الدول المتشاطئة، بما يضمن استدامة استخدام النهر ويحافظ على حقوق دول المصب ويحول دون تحول المياه إلى أداة للصراع السياسي. 

وأضاف أن مستقبل النيل، في تقديره، لا ينبغي أن تحدده قوة دولة المنبع أو ترتيبات سياسية منفردة، وإنما تفاهمات متوازنة تراعي احتياجات دول الحوض وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق الدول الواقعة في مسار النهر.

ومن جهة أخرى، يبدو أن القاهرة تريد منع تحول سد النهضة إلى سابقة يمكن البناء عليها في التعامل مع مشروعات مائية إثيوبية لاحقة، خصوصاً أن الخلاف المصري الإثيوبي لم يعد يدور حول ما إذا كان لإثيوبيا حق في التنمية، وإنما حول الحدود القانونية لممارسة هذا الحق عندما يتعلق الأمر بنهر دولي تتشارك فيه دول عدة. 

وهذه هي النقطة التي شدد عليها مدبولي في الأمم المتحدة، إذ قال إن مصر "لا تقف ضد حق أي شعب في التنمية"، لكنها تتمسك بمبدأ ألا "تُبنى تنمية طرف على إلحاق الضرر بالآخرين"، 

داعياً إلى إدارة الموارد المشتركة عبر التعاون وحسن الجوار واتفاقات ملزمة وفق القانون الدولي.

وفي الخلفية، تدفع القاهرة أيضاً باتجاه إعادة تعريف المشكلة من زاوية احتياجات مصر المائية، وليس فقط من زاوية حصتها التاريخية من النيل. 

وبحسب عرض قدمه سويلم أخيراً، تبلغ حصة الفرد المصري من الموارد المائية المتاحة نحو 472 متراً مكعباً سنوياً، أي دون عتبة 500 متر مكعب التي تُستخدم على نطاق واسع للدلالة على "الفقر المائي المطلق"،

 فيما يأتي أكثر من 98% من الموارد المائية المتجددة لمصر من خارج حدودها.

 كما قال إن احتياجات مصر السنوية تُقدّر بنحو 123 مليار متر مكعب، مقابل موارد متجددة تبلغ نحو 56.8 مليار متر مكعب.

ويحاول الخطاب المصري بذلك نقل النقاش من المقارنة بين "حقوق دول المنبع" و"حقوق دول المصب" إلى سؤال آخر: هل يمكن لدولة شديدة الاعتماد على مورد مائي عابر للحدود أن تتحمل إدارة أحادية لهذا المورد من دولة المنبع؟ 

وفي المقابل، تطرح إثيوبيا القضية من منظور مختلف، يقوم على حقها في الاستخدام "العادل والمعقول" لموارد النيل وتطوير إمكاناتها الكهرومائية، وترفض ما تعتبره قيوداً على سيادتها وحقها في التنمية.

 وقد شدد مستشار وزير المياه والطاقة الإثيوبي محمد العروسي، في 24 سبتمبر/أيلول، على أن أديس أبابا لن تقبل تدخلاً في قراراتها السيادية أو قيوداً على حقها في التنمية، مشيراً إلى خطط بناء ثلاثة سدود جديدة.