Logo

مسرحية "حياة" وتكريمات دولية تفتتح مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي

 كان الاحتفاء بتاريخ التظاهرة واضحاً، من الفيلم الذي يستعيد لحظة التأسيس إلى تكريم 13 شخصية مسرحية مصرية وعربية ودولية، في افتتاح الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي الثلاثاء الماضي 1 سبتمبر/أيلول،

 الذي تضمن أيضاً عرضاً للمخرجة كريمة بدير تحت عنوان "حياة"، يصوّر مجموعة من التجارب الأدائية تتحرك في رحمٍ رمزية، وتتأمل قدرة المسرح على أن يكون فضاءً يتعلم فيه الإنسان رؤية نفسه والعالم من جديد. 

غير أن الاحتفاء بمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود يضع المهرجان الذي يتواصل حتى الثلاثاء المقبل 8 سبتمبر/ أيلول، أمام اختبار آخر يتعلق بفكرة التجريب نفسها، وما بقي منها بعد كل هذه السنوات. 

السؤال هنا لا يتعلق بمكانة المهرجان أو قدرته على الاستمرار، بل بمدى قدرته على تجديد الفكرة التي تأسس من أجلها. فمنذ انطلاقه عام 1988، 

كان الهدف فتح نافذة للمسرح المصري على الاتجاهات الجديدة في العالم، وإتاحة فرصة مشاهدة تجارب لا تصل عادة إلى الجمهور المحلي. لم تعد المشكلة اليوم في العثور على عروض مختلفة، بل في تحديد ما الذي يجعلها تجريبية بالفعل.
 
حين يصبح التجريب نفسه تقليداً

التجريب المسرحي، في معناه البسيط، ليس مرادفاً للغرابة، ولا يعني أن يكون العرض غامضاً أو صعباً. إنه بحث في إمكانات المسرح وأدواته، من النص والجسد والصوت والحركة، إلى الإضاءة والصورة وعلاقة الممثل بالمتفرج، وحتى المكان الذي يحتضن العرض. 

وظهر هذا الاتجاه في تجارب مسرحية كثيرة خلال القرن العشرين، حين بدأ فنانون ومخرجون في التشكيك في مركزية النص وفي القواعد التي استقرت عليها الخشبة التقليدية. أصبح جسد الممثل محوراً للعرض، والمكان جزءاً من الدراما، والجمهور عنصراً فاعلاً في التجربة.

لكن المفارقة أن مفهوم التجريب نفسه يتبدل مع الوقت، ويمكن أن يتحول إلى تقليد. فاستخدام الفيديو مثلاً، الذي كان يمثل في وقت من الأوقات فعلاً ثورياً، لم يعد فعلاً تجريبياً، وكذلك الرقص أو الأداء الصامت أو العرض في الأماكن المفتوحة.

 فكل هذه الأدوات أصبحت جزءاً من قاموس المسرح المعاصر، وبالتالي إن مجرد استخدامها لا يمنح العرض صفة التجريب.
 
يضمّ المهرجان عروضاً تنتمي إلى المسرح الدرامي والرقص المعاصر والمسرح الحركي والبصري ومسرح الدمى والعروض متعددة الوسائط. والتنوع هنا ضروري، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن التجريب ما زال حياً.

 المعيار الأكثر صعوبة هو وظيفة هذه الأدوات داخل العرض. فالفيديو لا يصبح تجريباً لمجرد توظيفه مسرحياً، ولا يصبح الجسد لغة جديدة لمجرد أن الممثل يتحرك بدلاً من الكلام. 

القيمة تبدأ عندما يؤدي اختيار الوسيط إلى تغيير طريقة بناء المعنى أو علاقة المتفرج بما يراه، وهذا ما يجعل التجريب أقرب إلى طريقة تفكير منه إلى شكل فني جاهز.
 
المسرح أمام عصر الصورة

تبدو الدورة الحالية واعية إلى حد ما بالتحول المتسارع في أدوات صناعة الصورة، فالتقنيات الحديثة تتسلل إلى المجالات كافة. الصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي وتغير عادات المشاهدة أصبحت أشياء لا يمكن تجاهلها. 

وتكتسب هذه المسألة دلالة خاصة في الدورة الحالية، فالصورة البصرية التي اختارها المهرجان واجهة له، تضع الإنسان والذكاء الاصطناعي في مواجهة داخل الفضاء المسرحي. 

كذلك يضم برنامجه عروضاً متعددة الوسائط، أي تلك التي تتداخل فيها عناصر الفيديو والصوت والصورة الرقمية والإضاءة والحركة والأداء الحي في بناء التجربة.
 
لكن حضور التكنولوجيا ينبغي ألّا يتحول إلى استعراض تقني، فالتجريب يبدأ عندما تغير التكنولوجيا بنية العرض. 

وهنا تحديداً يستعيد المسرح إحدى خصائصه الأساسية، وهي الحضور. 

ففي الوقت الذي نستطيع فيه إنتاج الصور بسهولة عبر الهاتف، وتوليد مشاهد وشخصيات وفضاءات خلال ثوان، عبر برامج الذكاء الاصطناعي، تصبح قيمة الجسد الحاضر أمام الجمهور أكثر وضوحاً وأهمية. 

فلن يستطيع المسرح مثلاً أن ينافس التكنولوجيا بمحاولة إنتاج صورة أكثر إبهاراً منها، ولكن يمكنه المنافسة بقدرته على تقديم تجربة حية وحقيقية ومتفاعلة مع الجمهور. 

ومن هنا يمكن للتكنولوجيا أن تكون أداة لتوسيع إمكانات المسرح، لا بديلاً منه أو منافساً له.
 
حرية الفنان

تحمل هذه الدورة مفارقة أكثر حدة في تكريم المخرج طارق الدويري، وهو أحد الأسماء المهمة في المسرح المصري. فالتكريم في ذاته اعتراف مستحق بتجربة فنية، 

لكن الجدل الذي أثاره إعلان اسمه يكشف مشكلة أوسع حول الاعتراف بالمبدع وتوفير الظروف التي تسمح له بالعمل. 

فثمة انتقادات تتحدث عن تعطيل مشروعات للدويري، وتساؤلات عن معنى تكريم فنان في الوقت الذي يواجه فيه، بحسب بعض المهتمين بالشأن المسرحي، صعوبات في تقديم أعماله.

 فالدويري الذي يُكرَّم في هذه الدورة لم يشارك أو يقدم سوى أربعة عروض مسرحية منذ عام 2010. وكانت آخر أعماله مسرحية "وقال عبد ربه التائه" (2023).
 
من أهم ما يميز المهرجان تاريخياً أنه خلق احتكاكاً بين المسرح المصري والعربي وبين التيارات الدولية. وهذا الدور يصبح أكثر أهمية مع اتساع المشاركة الدولية في الدورة الحالية. 

فقد اختارت لجنة المشاهدة 14 عرضاً عربياً وأجنبياً من بين 324 عرضاً تقدمت للمشاركة من خارج مصر؛ 164 عرضاً أجنبياً و160 عربياً، 

فيما شاهدت لجنة اختيار العروض المصرية 128 عرضاً قبل الاستقرار على عرضين للمسابقة الرسمية. 

وتتضمن هذه الدورة سبع ورش دولية تتناول التمثيل والكتابة والإخراج والأداء الحركي وفنون المسرح المعاصر، إلى جانب برنامج فكري يمتد ستة أيام ويناقش التجريب وعلاقته بالمتفرج والمكان والهوية والتحولات الثقافية والاجتماعية. 

التجديد الحقيقي لا يتعلق بعدد الدول المشاركة ولا بعدد الورش أو المكرمين. هذه كلها مؤشرات مهمة، لكنها لا تكشف وحدها عن حيوية التجربة. 

فالمطلوب من المهرجان أن يطبق مبدأ التجريب على نفسه، أي أن يراجع طرق الاختيار، وأن يمنح الفنانين مساحة أكبر للعمل والمغامرة.
 
ياسر سلطان 
 كاتب مصري.