Logo

أزمة السيولة في اليمن تضغط على المواطنين والحكومة

 تشهد المناطق الخاضعة لنفوذ الحكومة اليمنية، المعترف بها دولياً، في جنوب البلاد وشرقها أزمة سيولة نقدية طاولت المواطنين والتجار على حدّ سواء، وسط تحذيرات من حدوث انهيار اقتصادي في حال عدم اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة لحل أزمة السيولة.

 وقال مسؤولان في البنك المركزي اليمني في عدن، طلبا عدم ذكر اسميهما، لوكالة رويترز اليوم الاثنين، إنّ الحكومة المدعومة من السعودية تواجه أسوأ أزمة سيولة نقدية للعملة الوطنية وشحاً في الموارد بالجهاز المصرفي منذ بدء الحرب في 2015، مما يزيد من صعوبة الوضع الاقتصادي، الذي يعانيه سكان عدن واليمن عموماً. 

وأشار المسؤولان إلى أن السبب في تفاقم الأمر هو استمرار بعض السلطات المحلية بالمحافظات، وفي مقدمتها مأرب وحضرموت والمهرة وتعز، والجهات الحكومية التي تدر إيرادات، في عدم التوريد لحساب الحكومة بالبنك المركزي في عدن، في تحدّ لقرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً، التي بدأ تنفيذها أواخر العام الماضي. 

وأوضحا أن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب "هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة". 

وقالا إن البلد بلا موارد، ويعتمد على البنك المركزي في تغطية التزاماته، وسط عجز الحكومة عن إلزام المؤسسات الحكومية والمحافظات بتوريد إيراداتها إلى البنك، 

إضافة إلى توقف الدعم والمنح المالية الخارجية، وتأخر الدعم السعودي منذ أشهر، ما أدى إلى تأخر صرف مرتبات الموظفين أربعة أشهر. 

وأوضح المسؤولان أن الأزمة تسببت في الحد من قدرة الحكومة على توفير الوقود لمحطات توليد الكهرباء في مدينة عدن والمحافظات المجاورة لها. 
 
لكن محمد قاسم المفلحي؛ أستاذ الاقتصاد المالي والنقدي في جامعة عدن، يرى أن الدولة تعاني أزمة في الموارد، وليس شحاً في السيولة، قائلاً إن هناك فائضاً كبيراً في المعروض النقدي وصل خلال السنوات الماضية إلى أكثر من سبعة تريليونات ريال يمني.

 وأوضح أن المشكلة تكمن في عدم قدرة الدولة على تحصيل مواردها بكفاءة "وامتناع كثير من المؤسسات الحكومية والمحافظات عن توريد الإيرادات المركزية للبنك المركزي، فضلاً عن أن الفساد المتفشي في معظم مؤسسات الدولة يساهم أيضاً في تفاقم الأزمة".

 وقال لرويترز إن الأزمة الحالية "مفتعلة"، إذ تشكّل العملة المتداولة خارج الجهاز المصرفي النسبة الكبرى في مكونات المعروض النقدي، وتحتفظ بها شركات الصرافة والتجار والأفراد بهدف المضاربة بالعملة. 

معاناة يومية

قالت مريم محمود خالد (50 عاماً)، وهي أرملة وأم لثلاثة أولاد تقيم في عدن، إنّ "أزمة شح السيولة أضرّت بالناس، لأن محلات الصرافة رغم كثرتها ترفض صرف حتى 100 ريال سعودي". 

وأضافت "قبل فترة كان الصيارفة يطلبون إبراز الهوية عند الصرف من العملة الأجنبية للريال اليمني، أما حالياً فيرفضون بشكل قاطع". وتابعت قائلة: "الناس ضاقت أحوالهم، خصوصاً المعتمدين في مصاريفهم الشهرية على حوالات من ذويهم المغتربين". 

وقال محمد عبد الوهاب الذي يعمل لدى شركة خدمات طبية في عدن: "أصبحت غير قادر على دفع إيجار المنزل دفعة واحدة أو شراء كل احتياجات البيت بسبب عدم القدرة على تغيير العملة، لأن ما هو متاح هو خمسون دولاراً في اليوم، وهذه الأزمة مرّت عليها شهور دون حلّ وتفاقمت بداية الشهر الجاري". 

وتزامنت أزمة السيولة النقدية مع تأخر صرف رواتب العسكريين لخمسة أشهر وصرفها بشكل جزئي وبعملات مختلفة، فضلاً عن القيود المفروضة على السحب النقدي. 

وتوقعت شبكة الإنذار المبكر للمجاعة، التابعة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، في أحدث تقييم لها، أن الفترة الممتدة من مارس/ آذار وحتى سبتمبر/ أيلول المقبل، ستشهد ضغوطاً تضخمية متزايدة، مع عجز الإجراءات المحلية عن كبح الأسعار.

وتشير تقديرات الشبكة إلى أنّ هذه العوامل مجتمعة ستدفع المزيد من الأسر نحو تقليص استهلاك الغذاء، واللجوء إلى وسائل تكيف قاسية، في ظل اقتصاد هش يعاني من صدمات متلاحقة. 

طباعة نقود لحل أزمة السيولة

في ما يتعلق بدعوة البعض لطباعة نقود جديدة للتخفيف من وطأة الأزمة، قال المسؤولان في البنك المركزي إن البنك يتفادى منذ خمس سنوات اللجوء إلى طباعة العملة مجدداً، لما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد الوطني، وتقويض للجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

 وأضافا أن أي عملية إصدار نقدي جديد من قبل البنك المركزي لمعالجة أزمة السيولة المفتعلة ستكون لها عواقب وخيمة، حيث تؤدي إلى زيادة المعروض النقدي وتفاقم التضخم، مما سيؤدي إلى تدهور قيمة الريال. 
 
ودأب البنك المركزي في عدن، الذي بمقدوره الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، على نحو متزايد بعد نقل مقرّه الرئيسي من صنعاء إلى عدن في سبتمبر/أيلول 2016، إلى طباعة أوراق نقدية جديدة لسدّ العجز الحكومي وسداد رواتب موظفي القطاع العام، خصوصاً قوات الأمن والجيش،

 لكن البنك لجأ الأسبوع الماضي إلى آلية جديدة لجذب السيولة من العملة المحلية من خلال رفع سعر الفائدة على ودائع الادخار بالعملة الوطنية لدى البنوك التجارية إلى 18% بدلاً من 15%.

 وأوضح مسؤول في البنك لوكالة رويترز أنّ الهدف من هذا الإجراء "تشجيع المواطنين والمدخرين بالريال اليمني ورجال الأعمال والتجار ممن يستثمرون أموالهم في الخارج على الاستثمار في البنوك المحلية بسعر فائدة يتناسب مع الظروف والمتغيرات الدولية والعالمية".