Logo

يوسف إدريس.. قصص من عالَمٍ لا مكان فيه للتغيير

 هل اختفى الكاتب المنشغل بأسئلة مجتمعه لصالح كاتب يكتفي بمنجزه الإبداعي ويرى أن الأدب يُقاس داخل حدوده الجمالية؟

 يُطرح هذا التساؤل عن التغيرات التي طاولت صورة الأديب، وموقعه في حياتنا المعاصرة، في لحظة استعادة يوسف إدريس بعد خمسة وثلاثين عاماً على رحيله، 

وكذلك حول مكانة الكاتب التي يشكلها عبر صراعاته الثقافية والسياسية والاجتماعية، والدفاع عن تصوراته للغة والأدب، وسعيه إلى التأثير في المجال العام. 
 
بؤرة الصراع الاجتماعي والسياسي

انطلق إدريس من بؤرة الصراع الاجتماعي والسياسي الدائر في زمنه، ونقل فن القصة القصيرة إلى موقع مركزي بين فنون السرد الأخرى ومنحه مساحة التأثير، 

ومع صدور مجموعته القصصية الأولى "أرخص ليالي" عام 1954، اكتسبت القصة أسلوباً جديداً أقرب للطبقات المهمشة، وأكثر قدرة على تحويل حكايات الحياة اليومية ووقائعها إلى تجارب قصصية مكتملة،

 لتأتي تالياً مجموعته "جمهورية فرحات" ويكتب طه حسين مقدمتها في اعتراف مبكر بموهبة يوسف إدريس.
 
يشير الكاتب المصري شعبان يوسف في كتابه "ضحايا يوسف إدريس وعصره" (دار بتانة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2027)، إلى أن إدريس اعتبر القصة القصيرة المصرية بدأت به، فألغى بذلك جيلين أو ثلاثة ممن سبقوه من الكتاب مثل محمود تيمور ويحيى حقي وسواهما.

 لكنه يضيف أيضاً أننا نقف أمام كاتب استطاع أن "يهز عرش الثقافة المصرية في ضربة زمنية قياسية، وكأننا لم نقرأ قصة واحدة لكاتب مصري قبله". 

يظهر هذا التحول في الكثير من قصصه، كما في قصته "بيت من لحم"، التي يتشكل عالمها من حجرة تسكنها أرملة وبناتها الثلاث في بيئة فقيرة منغلقة، 

يكشف من خلالها أن التفكك الأسري وانهيار المنظومات الأخلاقية ينبع من البنى الاجتماعية القاصرة، وأن عبء الفشل لا يقع على الناس وحدهم وعلى خياراتهم المحدودة في عالم لا مكان فيه للتغيير أو الفرص العادلة،

 وفي مجموعاته الأخرى، ومنها "النداهة" و"العتب على النظر" و"قاع المدينة" وغيرها، يظهر مشروعه الأدبي بوضوح، عبر قصص تحلل الصراع الطبقي وتنقد الفساد الاجتماعي والمؤسسي.
 
بين السلطة والحكاية

رغم موهبته الكبيرة كما وصفها معاصروه ومن جاء بعدهم، لم تتوقف الانتقادات الموجهة إلى إدريس بخصوص شخصيته التي تأرجحت بين نقمة بعض رفاقه من اليساريين، وعلاقة معقدة مع السلطة تضعه إلى جانبها تارة وتقصيه في أخرى، 

ولعل حادثة تفاديه دخول السجن عام 1959 من خلال روايته "البيضاء"، التي اعتبرها المثقفون تشويهاً للتوجهات اليسارية المعارضة لعبد الناصر، 

تشكل أحد الأدلة على هذا التأرجح. يقود التأمل في بعض جوانب حياته إلى فهم أثر المراحل المختلفة التي صنعت آراءه المتقلبة، ففي كتاب "أنا يوسف إدريس" (ريشة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2021) للكاتب المصري بشري عبد المؤمن،

 يرسم المؤلف صورة يوسف الصبي الذي اكتشف الدهشة من خلال حكايات جدته "ملكة" له، وأن فهم العالم يحتاج إلى جرأة وبحث عن الحقائق، ثم يرسم ملامح شاب طموح أراد أن يتجاوز كتاب عصره، وانتهى به الأمر بأن سئم المساجلات.
 
ويكشف كتاب عبد المؤمن أن مراحل حياة إدريس يرتبط بعضها ببعض عبر رأيه الحاسم في أن مهمة الكاتب تتضمن إيجاد الحلول للقضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية، 

فلم يكتفِ بإبداعاته حين كان نجماً في الصحف وعلى أغلفة المجلات، خصوصاً مع صعود فكرة التخصص والتفرغ للإبداع واهتمام الكاتب بشهرته.

 ففي العهد الناصري، تأرجح بين تأييد المشروع القومي في طموحاته وبين التحذير من هيمنة أدواته الأمنية، ليكتب عام 1961 "العسكري الأسود" مهاجماً التعذيب في المعتقلات، 

وعقب انضمامه إلى صحيفة الأهرام، نشر عام 1969 قصة "الخدعة"، التي اعتبرها الاشتراكيون هجوماً على شخص جمال عبد الناصر،

 لتنشر له الأهرام لاحقاً قصة "الرحلة"، التي بدت أقل حدة، لكنها حملت في صفحاتها مراجعة للعلاقة مع الرئيس المصري بوصفه صاحب سلطة أبوية تحاصر الشعب، وانتهت القصة بالتنبؤ بموته. 

ازدادت الحدة خلال عصر السادات حين فُصل إدريس من صحيفة الأهرام بعد توقيعه عام 1973 على "بيان اللاسلم واللاحرب" بصحبة توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، وعقب معاهدة كامب ديفيد،

 اتخذ موقفاً معارضاً لمسار السلام، مما دفعه إلى كتابة مقالات ضد السادات خارج مصر، ليجمعها لاحقاً في كتابه "البحث عن السادات" عام 1984، الذي شكل مدخلاً أيضاً لصراع جديد في حقبة لاحقة،

 إذ وجه حسني مبارك في الأول من مايو/ أيار 1983، وخلال خطابه بمناسبة عيد العمال، اتهاماً ضمنياً لإدريس بـتلقي المال من القذافي لكتابة مقالات تسيء إلى السادات، وشنت الصحف القومية هجوماً واسعاً عليه انتهى بمصادرة كتابه من قبل أجهزة الأمن.
 
اللغة مرآةً للتناقضات

بعد المعارك الكبيرة لإدريس على ساحتي الأدب والسياسة، تراجعت حدة سجالاته منذ عام 1985 لتنحصر في مواجهات ثقافية عبر عموده "من مفكرة يوسف إدريس"، الذي كتب فيه ضد شخصيات مصرية عامة،

 ثم اضطر إلى الاعتذار لاحقاً تحت وطأة التغيرات الاجتماعية التي طاولت المجتمع المصري، وفي عدد خاص عنه أفردته مجلة "أدب ونقد" عام 1987،

 يوجه نجيب سرور رسالة مطولة لإدريس يدعوه فيها إلى العودة إلى مساجلاته، ويشجعه على البقاء متمسكاً بما كتبه وقاله طوال حياته، ثم يدعوه إلى تبني قضايا سياسية واجتماعية كبيرة، وكأن إدريس تخلى عن دورٍ كان يلعبه في المشهد الثقافي المصري.
 
انحاز إدريس إلى الواقع من خلال لغته التي أحبه البعض من أجلها وأدانه آخرون بها، إذ رفض وفق رؤيته الانصياع لقواعد الفصحى التي رأى أنها غير قادرة على تمثيل طموحات الشعب وحيويته. 

وكان يعلن التزامه بقواعد الحياة المتبدلة وليس بقواعد النحو الجامدة، مبرراً بذلك صياغته اللغوية التي تنحاز إلى التعبير العفوي واليومي. ولقد امتدت هذه التجربة إلى مسرحياته ورواياته، 

إذ ظل يرى أن تجاوز القمع أو الكبت يحتاج إلى مرونة في اللغة والأسلوب، مما أسهم في تشكيل صورته أديباً يرى في نفسه سياسياً ورجل مجتمع وصاحب قدرة على التغيير.  

عاصف الخالدي