التحولات الفكرية تعيد صنع التاريخ بعيدا من الأحداث الكبرى
أليس من الممكن النظر إلى التاريخ من زاوية الحياة والأشياء اليومية، والعقليات والبنى الاجتماعية والاقتصادية والأفكار والممارسات الثقافية التي تتشكل ببطء، ولكنها تؤثر بعمق في مصائر المجتمعات؟
وهل ثمة تصور آخر للتاريخ، لا يقتصر على الوقائع الصاخبة، بل يسعى إلى فهم الإنسان في تعدد تجاربه، وفي علاقته المعقدة بالزمن والمجتمع والمعنى؟
عن هذه الأسئلة وسواها، يجيب عضو الأكاديمية الفرنسية والأستاذ في الكوليج دو فرانس وجامعة كولومبيا، أنطوان كومبانيون، في كتاب بعنوان "1966، سنة مذهلة" صدر حديثاً في باريس عن منشورات غاليمار (2026). درس فيه التغيرات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي جعلت من هذه السنة مفصلية في تاريخ فرنسا المعاصر، كظهور أدباء ومفكرين وفنانين عظام رسموا الأحداث لعقود لاحقة،
خارجاً بذلك عن المنهج التقليدي في التأريخ، ساعياً إلى مساءلة كيفية تشكل الذاكرة التاريخية والثقافية، وتفكيك بديهيات السرد الزمني الذي يجعل من بعض السنوات قمماً وبعضها الآخر مجرد تراكم.
بهذا المعنى، تطلع كومبانيون إلى فهم التحولات "الصامتة"، معتمداً منهجاً تركيبياً يوازن بين تاريخ الأفكار والسوسيولوجيا الثقافية وتحليل النصوص واستعادة تفاصيل الحياة اليومية، مقترباً من شكل "الرواية الفكرية" التي تتقاطع فيها أسماء ميشيل فوكو، ورولان بارت، وجان بول سارتر، وكلود ليفي-ستروس، وجاك لاكان، وجورج بيريك، ومارغريت دوراس، وجان-لوك غودار، وأندريه مالرو، ولويس أراغون، وغيرهم،
مع مظاهر الثقافة الجماهيرية والوقائع السياسية والاجتماعية، مظهراً تزامنها وتجاورها وقدرتها على إنتاج مناخ فكري واحد.
ذلك أن تاريخ السنوات لا يكتب من خلال القرارات السياسية والأحداث الكبرى وحدها، بل يتجلى أيضاً في الكتب التي نشرت، والأفلام التي عرضت، والموسيقى، والتفاصيل الصغيرة التي تسللت إلى الحياة اليومية،
مثل جهاز الترانزستور، وكتب الجيب، والولاعة ذات الاستعمال الواحد، وشعر الشباب الطويل، و"التنورة القصيرة" التي غدت رمزاً لتحول علاقة المجتمع بالجسد والمرأة، ولبداية ثورة متسارعة في العادات والسلوك.
هكذا غدت سنة 1966 بنظر كومبانيون سنة مفصلية على الصعد الديموغرافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، نسج في إطارها شبكة من العلاقات بين الوقائع والنصوص، واضعاً القارئ أمام تصور مغاير للتاريخ، بوصفه تراكماً بطيئاً، تشكلت خلاله تحولات كبرى مهدت لقيام أحداث مفصلية، بعدما اكتملت شروطها الفكرية والرمزية.
تحولات 1960
فسنة 1966 في عرف المؤرخ هي السنة التي بلغت فيها البنيوية ذروتها، وتكاثفت فيها الأسئلة حول اللغة والمعنى والذات، وتتالت فيها إصدارات الكتب المهمة واحتدمت فيها السجالات الفكرية، لا سيما مع نشر ليفي-ستروس أبحاثاً مثلت على الصعيد الأنثروبولوجي منعطفاً أعاد النظر في الثقافة والمجتمع من خلال مفاهيم البنية، والنظام الرمزي، والقرابة،
ونشر فوكو "الكلمات والأشياء" الذي أكد فيه أن الإنسان ليس أصل المعنى، يل نتاج تاريخي لبنى معرفية تتغير عبر العصور، مزعزعاً أسس النزعة الإنسانية التي هيمنت على الفكر الفرنسي.
ولعله قرأ نجاح هذه الأفكار من زاوية اللحظة الثقافية التي جعلت الجمهور مستعداً لتقبلها.
من هذه الزاوية، انطلق كومبانيون ليعيد تركيب أحداث هذه السنة يوماً بعد يوم، ونصاً بعد نص، وصورة بعد صورة، كاشفاً عن عمقها الذي ظل لسنوات مخفياً تحت سطح التاريخ الرسمي.
ولعله بقي أميناً لمساره الفكري وموقعه في الحقل الثقافي الفرنسي كناقد أدبي ومؤرخ للأفكار وأستاذ جمع بين التقليد الأكاديمي الصارم والانفتاح على الفضاء العمومي في سعي مستمر إلى التفكير في العلاقة المعقدة بين النصوص والمؤسسات والتحولات الاجتماعية، هو الذي انتمى إلى جيل ورث البنيوية وتتلمذ على رولان بارت، وعايش لحظة صعود النظريات البنيوية وما بعد البنيوية.
يتوقف الكتاب مطولاً عند نشر كتابي رولان بارت وميشيل فوكو "النقد والحقيقة" و"الكلمات والأشياء"، والضجة التي أحدثاها والمواقع التي احتلاها في النقاش العام.
من هذه الزاوية، نفهم اعتماده على "التركيب البانورامي"، الذي تتجاور فيه المستويات المختلفة من التحليل، ناقلاً القارئ في الصفحة نفسها من نقاش نظري حول البنيوية إلى وصف دقيق لفيلم عرض في صالات السينما،
أو إلى تحليل دلالة اختراع تقني بسيط يعكس تصوراً محدداً للثقافة بوصفها منظومة مترابطة، تتغذى فيها الأفكار من التحولات الاجتماعية، وتسهم في إعادة تشكيل الحساسية الجماعية.
السرديات الكبرى
يتميز كتاب كومبانيون بحذر منهجي تجاه السرديات الكبرى. فهو يرفض القراءة التلغرافية التي تجعل من بعض الأحداث تمهيداً لأحداث أخرى، كما يرفض النزعة الاحتفالية التي تميل إلى تمجيد بعض السنوات بوصفها "عصراً ذهبياً" مفقوداً.
إن كتابة التاريخ الثقافي تفترض بنظره مسافة نقدية مزدوجة: بعد من الحنين ومن الاختزال السببي. من هنا تأتي أهمية التفاصيل الصغيرة التي تكسر السرديات الكبرى وتعيد إدخال التعقيد إلى الصورة.
ولعل هذا المنهج يلتقي مع أحد الأسئلة المركزية في مشروع كومبانيون الأوسع، عنيت التفكير في الأدب والفكر بوصفهما ممارسة تاريخية حية.
في "1966، سنة مذهلة"، يتجسد هذا الموقف في اختيار السنة كوحدة تحليل محدودة زمنياً، غنية دلالياً، تسمح بفهم اللحظة وتكشف منطق التغيرات الثقافي، بوصفها منعطفاً في تاريخ الشعوب.
ومن خلال هذا الاختيار والجمع بين الأدب والتاريخ، يقدم كومبانيون نموذجاً لكتابة قادرة على مخاطبة جمهور واسع من دون التفريط بالصرامة العلمية.
فالكتاب لا يفترض قارئاً متخصصاً في الفلسفة أو السوسيولوجيا، لكنه لا يبسط الأفكار، بل يدعو إلى إعادة اكتشاف سنة ظن أنه يعرفها، وإلى إدراك أن التاريخ لا يصنع فقط في لحظات الانفجار، بل أيضاً، وربما أساساً، في لحظات التراكم الهادئ التي تسبقه.
أشير في هذا السياق إلى أن كومبانيون يعتمد في بناء مفهوم "السنة المنعطف" على مبدأ التزامن بدل التسلسل. فالأهمية لا تكمن فقط في أن أحداثاً معينة وقعت سنة 1966، بل في أنها وقعت معاً.
إن صدور "الكلمات والأشياء" لفوكو و"النقد والحقيقة" لبارت بين بحسب المؤرخ أن النقاش الذي أثاراه في العلوم الإنسانية وفي قراءة النصوص الأدبية، مهد لنقاش أوسع تعلق بسلطة الجامعة، وبمن يملك حق تفسير الأدب.
ففي هذه السنة ترسخ النقد البنيوي داخل الجامعات، ونشرت كتب إميل بنفنيست وجيرار جينيت وعرضت أفلام جان-لوك غودار وروبير بريسون وآلان رينيه التي كشفت عن تحول في علاقة الثقافة باللغة والصورة والمعنى.
هذا التزامن مكن كومبانيون من الحديث عن أشياء، قد تبدو ثانوية، لكنها مؤشرات إلى نشوء ديمقراطية ثقافية جديدة وتغير في علاقة الأفراد بالمعرفة والفن، مما أعاد تشكيل شروط استقبال الثقافة والتداول بها.
لحظات الصدام
إذاً من منظور بنيوي للزمن، ابتعد كومبانيون من اختزال التاريخ في لحظات الصدام، مشبهاً إياه بسيل متدفق يكشف في لحظة محددة عن تيارات متعددة كانت تعمل في العمق، مؤكداً أنه لا يكتب فقط من موقع اللاحق، بل من داخل اللحظة نفسها وعدم اليقين الذي يميزها.
هكذا يشدد كومبانيون أن رجالات سنة 1966 لم يعلموا أنهم يعيشون "سنة مذهلة"، ولم يروا في نتاجهم مقدمات لثورة قادمة.
ذلك أن الزمن بنية مفتوحة، تتقاطع فيها مسارات متعددة، تسمح بفهم أدق لكيفية تشكل التحولات الثقافية الصامتة التي تبلغ، في لحظة ما، درجة من الكثافة تجعلها مرئية.
يولي الكتاب كذلك اهتماماً خاصاً بأعمال جاك لاكان، وبالتغيرات في الأشكال السردية والبصرية التي عرفها الأدب والسينما، والتي أفصحت عن تبدل عميق في الحساسية الثقافية.
هكذا يقارب كتاب جورج بيريك "الأشياء، تاريخ الستينيات"، الذي أثار النقاش حول العلاقة بين الفرد والعالم الاستهلاكي، وحول فراغ المعنى في مجتمع الوفرة،
مؤكداً أن أسلوبه يوازي في الأدب ما فعلته البنيوية في النظرية: إزاحة المركز الإنساني لمصلحة بنية من العلاقات.
كما يتناول كتابات مارغريت دوراس التي لا تسعى نصوصها إلى تمثيل العالم، بقدر ما تفضح هشاشة اللغة نفسها.
ولعل هاتين التجربتين الأدبيتين المتزامنتين تعبران برأي الكاتب عن أزمة المعنى التي سكنت سنة 1966، والتي لم تعد السرديات الكبرى فيها قادرة على احتواء التجربة الفردية.
يحلل الكتاب كذلك أفلام الستينيات بوصفها مختبراً بصرياً لهذه التحولات، متوقفاً عند أفلام غودار و"الموجة الجديدة"، رابطاً الخيارات الجمالية بالتحولات الفكرية في رؤية مختلفة للتاريخ تنظر إلى الفلسفة والأدب والسينما كلحظات مهمة مثلها مثل الأحداث الكبرى.
أخيراً في كتابة التاريخ، يتوقف أنطوان كومبانيون عند الإطار المادي الذي مس الحياة اليومية. فـ"السنة المذهلة" ليست فقط سنة الكتب والنظريات الفكرية، بل هي أيضاً سنة الأشياء الصغيرة التي أعادت تشكيل علاقة الأفراد بذواتهم وبالعالم.
على هذا المستوى، يبرز المجتمع الاستهلاكي كفاعل مركزي في التحول الثقافي.
يقول كومبانيون إن أجهزة الترانزستور، والتلفزيون، وكتب الجيب، والولاعة ذات الاستعمال الواحد، وأقلام "البيك"، ليست مجرد اختراعات تقنية، بل علامات على تحول عميق في أنماط العيش.
بواسطتها أصبحت المعرفة محمولة، والموسيقى شخصية، والثقافة أكثر قرباً من الجسد والحياة اليومية، مما غير الانتشار المادي للثقافة وشروط تلقيها وأخذ التاريخ في مسارات أخرى.
كذلك إن تحرر اللباس وانتشار صور جديدة للأنوثة والذكورة، هي مؤشرات إلى إعادة تفاوض اجتماعي حول الجسد والرغبة والهوية. فـ"الميني جوب" ليس "موضة"، بل تعبير عن تفكك أنماط ضبط الجسد القديمة، وعن بروز علاقة جديدة بين الفرد ومعاييره الأخلاقية.
في الختام، يربط كومبانيون بإبداع بين هذه التحولات، وبين الأفكار والصور التي تقدمها الفلسفة والسينما والأدب، مظهراً أن التاريخ يتسلل عبر تفاصيل الحياة اليومية، التي تتحقق من خلالها الأفكار، محولة القيم إلى أنماط عيش، مما يهيئ الأرضية لتغيرات فكرية وسياسية أوسع يقدمها كتابه بمتعة ما بعدها متعة.
مارلين كنعان
كاتبة وباحثة