مخاطرة لا يملك اليمن ترفها
يأتي تعثر تشكيل الحكومة في وقت بالغ الحساسية، حيث يشهد اليمن واحدا من أخطر المنعطفات السياسية في تاريخه الحديث، وسط متغيرات إقليمية متسارعة، وإعادة تشكل للتوازنات الدولية، وتحولات عميقة في أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين،
وفي هذا السياق، تبدو شكاوى رئيس الحكومة المكلف شائع الزنداني من حسابات ضيقة تعيق عملية التشكيل، ناقوس خطر لا يجب التقليل من شأنه..
إن الإصرار على تقاسم النفوذ، وتغليب المصالح الفئوية، ومحاولة فرض أسماء لا تستند إلى الكفاءة أو النزاهة، لا يهدد فقط ولادة الحكومة، بل يهدد ما تبقى من ثقة المواطن اليمني في الدولة ومؤسساتها،
فالمرحلة الراهنة لا تحتمل حكومة محاصصة ضعيفة، ولا فريقا وزاريا مثقلا بالتناقضات، عاجزا عن اتخاذ القرار، أو رهينة لمراكز قوى تعطل عمله متى شاءت..
اليمن اليوم بحاجة إلى حكومة استثنائية لمرحلة استثنائية، حكومة تمتلك الشجاعة السياسية، والرؤية الوطنية، والكفاءة المهنية، وقادرة على التحرك بثقة في محيط عربي ودولي لا ينتظر المترددين،
حكومة تعيد الاعتبار لليمن كدولة، لا كساحة صراع، وتعيد وضعه في قلب الدائرة العربية والدولية، لا على هامشها..
إن أي حكومة تخرج إلى النور وهي مثقلة بالضعف، أو قائمة على تسويات هشة، ستفشل قبل أن تبدأ، وستكون عبئا إضافيا على الداخل اليمني، بدل أن تكون أداة إنقاذ،
والأسوأ من ذلك، أنها ستبعث برسالة سلبية إلى الخارج، مفادها أن اليمن ما زال عاجزا عن إنتاج قيادة تنفيذية متماسكة، قادرة على إدارة ملفات السلام، وإعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد، وتخفيف المعاناة الإنسانية..
المطلوب اليوم حكومة تعمل لا حكومة تدار، حكومة قرار لا حكومة توازنات، حكومة دولة لا حكومة أطراف، حكومة تضع إعادة الإعمار في صدارة أولوياتها، وتتعامل مع الاقتصاد كملف سيادي لا كغنيمة، وتستعيد ثقة المانحين، وتفتح أبواب الشراكات العربية والدولية على أساس الجدية والشفافية..
إن اللحظة التاريخية لا ترحم، والتاريخ لن يغفر لمن يضيع هذه الفرصة بسبب حسابات ضيقة أو مصالح آنية، فإما حكومة قوية تعيد لليمن اعتباره ومكانته، أو الاستمرار في دوامة الضعف والانتظار، وهي كلفة لم يعد اليمنيون قادرين على دفعها..